الأربعاء، 3 يوليو، 2013

مُلَخَّص أحكام الصيام من المختصر البسيط لكتاب تمام المنة في فقه الكتاب وصحيح السنة لفضيلة الشيخ عادل العزازي أثابه الله


مُلَخَّص أحكام الصيام  من
المختصر البسيط لكتاب تمام المنة
في فقه الكتاب وصحيح السنة
لفضيلة الشيخ عادل العزازي أثابه الله [1]

فضيلة الصَوْم:
اعلم - رَحِمَكَ الله - أنه قد وَرَدَ في فضل الصَوْم أحاديث كثيرة، نذكر منها قوْل النبي صَلّى الله عليه وسلم: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أيْ رَبّ: منعتُهُ الطعامَ والشهوة، فشَفِعْني فيه، ويقول القرآن: منعتُهُ النومَ بالليل، فشَفِعْني فيه، قال: فيشفعان" [2].

وهناك بعض الفضائل الأخرى الخاصة بصَوْم رمضان، نذكر منها قوْل النبي صَلّى الله عليه وسلم: "إذا جاء رمضان فُتِحَت أبواب الجنة، وغُلِقت أبواب النِيران، وصُفِّدَت - (أي: سُلسِلَت) - الشياطين" - وفي رواية عند الترمذي - "وينادي منادٍ: يا باغِيَ الخير أقبل، ويا باغِيَ الشر أقصِر، وللهِ عُتَقاءٌ من النار، وذلك كل ليلة" [3].

على مَن يَجِب الصَوْم؟
يجب الصَوْم على المسلم، العاقل، البالغ، الصحيح، المُقِيم، ويُزَاد في حق المرأة الطهارة من (الحَيْض والنِفاس).

ما هي أركان الصيام؟ للصَوْم رُكنان أساسيان وهما:
 الرُكن الأوّل: النِيَّة:
وحقيقة النِيَّة: العزم على الفِعل امتثالاً لأمر الله عَزَّ وَجَلّ، فمتى عزمَ على الصَوْم بقلبه فقد تحققت النِيَّة، ولا يَلزَمُهُ التَلَفُّظ بها - بأنْ يقول: نويتُ الصيام غداً -، بل إن التَلَفُّظ بالنِيَّة بدعة، إذ لَم يَثبُت التَلَفُّظ بِها عن رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم، ولا عن أصحابه، ولا عن الخُلَفاء، ولا عن الأئمَّة، (واعلم أنَّ السحُور في حَدّ ذاتِهِ يُعتَبَر نِيَّة لصيامِ الغَد).

ويُلاحَظ أنه يتعلق بالنِيَّة بعض المسائل:
• المسألة الأولَى: (متى أنوي الصيام؟):
أوّلاً: بالنسبة لصَوْم الفرض: (كصَوْم رمضان وصَوْم الكفارات وصَوْم النذر- كأنْ يقول قائل: نذرت أنْ أصَوْم يوماً إذا نجح ابني) -، ففي هذا النوع من الصيام لابد أنْ تكون النِيَّة في أي جزء من أجزاء الليل قبل الفجر.

ثانياً: بالنسبة لصَوْم النَفل: فإنه يَصِحّ إحداث النِيَّة في أي وقت من النهار، (سواء كان قبل زوال الشمس - أي قبل بداية وقت الظهر -، أو بعد ذلك) - على الراجح من أقوال العلماء -، بشرط أنْ لا يكون قد أتى بما ينافي الصَوْم من أكْل أو شُرب أوغير ذلك.

 المسألة الثانِيَّة: (هل يُشتَرَط النِيَّة لكل يوم؟):
اختلف العلماء في ذلك، فذهبَ فريق منهم إلى أنه يُجْزِئُهُ صيام الشهر بنِيَّة واحدة مِن أوّله، وذهبَ فريق آخر إلى وجوب نِيَّة مستقلة لكل يوم من أيام الصيام، (سواء كانت الأيام متتابعة كصَوْم رمضان، أو متفرقة)، وهذا هو الراجح لأن كل يوم عبادة مستقلة، والله أعلم.

مُلاحَظات:
1- يُشتَرَط في النِيَّة: (الجَزْم بها)، فمتى ترددَ فيها فلا تَصِحّ، كأنْ يتردد أنْ يصوم غداً أو لا يصوم، أما إذا نوى الفِطر - يعني عزم عزماً جازماً على الفِطر-  فقد فسَدَ صَوْمُهُ، حتى وإنْ لم يتناولْ مُفَطِّراً.

2- إذا لم يعلم أن غداً هو أوّل رمضان، فقال: (إنْ كان غداً من رمضان فأنا صائم صَوْم رمضان، وإلا فأنا مُفطِر، فالراجح صِحَّة ذلك؛ لأن هذا ليس تردداً في النِيَّة كما في المسألة السابقة، إنما هو تردد في ثبوت الشهر.

3- يَجُوز إحداث النِيَّة للفرض أثناء النهار في حالات: منها: إذا جاءه خبر هلال رمضان أثناء النهار، أو أنْ يكون قد نام في ليلته قبل غروب الشمس حتى بعد الفجر، وكذلك الصبي إذا احتلم أثناء النهار، أو المجنون إذا أفاق أثناء النهار، أو الكافر إذا أسلم أثناء النهار؛ فكل هؤلاء يُمسِكُون عن الطعام والشراب بقية النهار، وليس عليهم قضاء لهذا اليوم.

الرُكن الثاني: الإمساك:
والمقصود بالإمساك: الامتناع عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس.

مُلاحَظات:
1- ما يظنه كثير من الناس من الامتناع عن الطعام والشراب إذا سمعوا ما يُعرَف بمدفع الإمساك، أو إذا سمعوا التواشيح في الإذاعات لا أساسَ له من الصِحّة، فإن هذا كله لا يَمنَع الطعام، وكذلك لا يُعرَف في الشرع ما يُسَمّى بوقت الإمساك الذي تعارف عليه الناس ووضعوه في التقاويم ضمن مواقيت الصلاة، وأما وقت الإمساك الحقيقي فهو أوّل دخول وقت الفجر الصادق.

2- إذا أكلَ الصائم وهو يظن أنّ الشمس قد غربت - (هذا عند الإفطار) -، أو أكل وهو يظن أنَّ الفجر لم يطلع بعد - (هذا عند السحور) -، ثم تبين له الحال خلاف ظنه، فالراجح: أنه لا يجب عليه قضاء ذلك اليوم، لقوْل الله تعالى: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِنْ مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ [الأحزاب: 5]، ولقوْل النبي صَلّى الله عليه وسلم: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرِهوا عليه" [4].

3- راكب الطائرة لا يعتمد في فطره على إفطار البلد الذي يسير فوقها، حتى ولو تحقق فطرهم عنده - (كأنْ يعلم ذلك من مِذياع في الطائرة أو غير ذلك) -، بل يُمسِك حتى يرى مَغِيب الشمس (وذلك لأنه في الطائرة يرى من غروب الشمس ما لايراه غيره).

ما هي مُبطِلات الصَوْم؟
أولاً: هناك ما يُبطِل الصَوْم ويُوجِبُ القضاء فقط (يعني يُوجِب قضاء ذلك اليوم الذي أفسَدَ صَوْمه) مثل:
1- الأكْل والشُرْب عَمْداً: والمقصود إدخال الطعام والشراب عن طريق الفم، فمتى أُدْخِلَ الطعام إلى جَوْفِهِ  ذاكراً متعمداً، فقد أفطر، ويكونُ بذلك آثِماً، لِتَعَمُّدِهِ معصية اللهِ بالإفطار، ويَلزَمُهُ التوبة، وعليه قضاء ذلك اليوم.

وأما إنْ أكَلَ أو شَرِبَ ناسياً فلا شئ عليه، وَلْيُتِمّ صَوْمه، فقد قال النبي صَلّى الله عليه وسلم: "منْ نَسِيَ وهو صائم، فأكل أو شرب، فلْيُتِمّ صَوْمه، فإنما أطعمه الله وَسَقاه"[5].

وهذا الحُكم - (وهو الأكل أو الشرب ناسياً أثناء الصيام) - يشمل الفريضة والنافلة لأن الحديث السابق لم يفرق بين الفرض والنفل، وأما الجاهل بالتحريم: فإنْ كان بعيداً عن بلاد الإسلام، أو كان قريب عهد بالإسلام؛ فهو معذور ولا شئ عليه، وأما إنْ كان مخالطاً للمسلمين، بحيث لا يَخفَى عليه تحريمه فقد بَطُلَ صَوْمُه.

2- القِيء عمداً: وسواء كان القِيء قليلاً أو كثيراً، لأن النبي صَلّى الله عليه وسلم قال: "مَن ذَرَعَهُ القِيء - (أي: غلبه القيء) - وهو صائم فليس عليه قضاء، ومَن استقاء - (أي تعمَدَ القِيء) - فليَقضِ"[6].

3- الحَيْض والنِفاس: حتى ولو خرج دم الحَيْض أو النِفاس في اللحظة الأخيرة قبل المغرب، فلا خلاف بين العلماء بالفِطر، ووجوب قضاء ذلك اليوم عليها.

مسائل ومُلاحَظات هامة جداً:
1- إذا تناول ما يؤذي ويضر كالسجائر، فإنه يكون مُفطِراً؛ لأنه تناوله من المَنفَذ المُعتاد للطعام وهو الفم.

2- الكُحل وقطرة العين: لا تُفطِّر الصائم، حتى لو وجد طعمها في حلقه، لأن العين ليست مَنفَذاً مُعتاداً للطعام، وليس هناك حديث صحيح يَنُصّ على أن الكُحل مُفَطِّر، والصَوْم عبادة لا يُحكَم بفسادها إلا بدليل.

ويجري هذا الحُكم كذلك على قطرة الأذن والأنف، فإنها لا تُفطِّر الصائم، لكن الأولَى في قطرة الأنف الاحتراز منها - إلا لضرورة -، لنهيه صَلّى الله عليه وسلم عن المبالغة في الاستنشاق للصائم، وسيأتي الحديث في ذلك.

3- يُباح للصائم الاغتسال والانغماس في الماء للتَبَرُّد.

4- المضمضة والاستنشاق: لا يُفَطِّران الصائم، لكنه يُكرَه له المبالغة في الاستنشاق، لأن النبي صَلّى الله عليه وسلم قال: "وبالِغ في الاستنشاق إلا أنْ تكونَ صائماً"[7]، فإنْ سبقه الماء إلى جوفه بدون قصدٍ منه، حتى ولو مع المبالغة المكروهة في الاستنشاق فالصحيح أنه لا يُفطِر بذلك؛ لأنه غير متعمد.

5- الحجامة جائزة للصائم، والراجح أنها لا تُفسِد الصَوْم؛ لأن النبي صَلّى الله عليه وسلم احتجمَ وهو صائم[8]، لكنها تُكرَه للصائم من أجل ما تسببه من ضَعف.

6- خروج الدم لا يُفسِد الصَوْم (سواء كانَ مِن جَسَدِه، أو من أنفه، أو من أسنانه، أو مِن قلْع ضِرس)، وسواء كانَ الدم قليلاً أو كثيراً، لكنه يَحترِز من ابتلاعه، وكذلك لا يُفسِد الصَوْمَ خروجُ الدم عن طريق الحُقن لأخذ عَيِّنات، أو للتَبَرُّع به.

7- الحُقن بأنواعها (سواء الحُقن الشرجية، أو الحُقن في الوَريد أو العَضَل)، أو ما أُدْخِلَ عن طريق الفرْج أو الدُبُر من (دواء، أو منظار، أو لبُوس)، كل ذلك لا يُفسِد الصَوْم، وكذلك بخاخة الرَبْو لا تُفطِّر.

واختلفوا في الحُقن المغذية (مثل حُقن الفيتامينات وغيرها) باعتبار أنها مما يَتقوَّى به الإنسان، وأنها تقوم مقام التغذية، والراجح - والله أعلم - أنها أيضا لا تُفطِّر الصائم، لأن الطعام عن طريق الفم فيه معنى التَشَهِّي والتلذذ بمَضْغِهِ وَبَلْعِه، وهذا لا يوجد في الحُقن.

8- يَجُوز استعمال السواك للصائم في أي وقت، سواء كان قبل الزوال أو بعده (يعني سواء كان استعمال السواك قبل وقت الظهر أو بعد ذلك)، وسواء كان السواك رَطْباً أو يابساً.

واعلم أنه يَجُوز أيضاً استعمال مَعجُون الأسنان، ولكنه يُكرَه لقوة نفاذِهِ إلى المَعِدَة، مما يؤدي إلى إفساد صَوْمه، وأما إنْ كان يَأمَن من ذلك وليس له قوة نفاذ فلا بأس.

9- يَجُوز للصائم شم الروائح، ولا يَفسَد صَوْمُهُ بذلك، وسواء كانت هذه الروائح سوائل أو بُخُور.

10- يُباح للصائم بَلْع ريقِه، حتي لو جَمَعَهُ ثم ابتلعه (طالما أنه داخل فمه)، ولو شرب الصائم قبل الفجر، ثم طلع الفجر، فلا يجب عليه التَفْل للتخلص من طَعم الماء الذي في فمه، فهذا مما يُتسامَح فيه.

11- لا يُفسِد الصَوْم ما لا يمكن الاحتراز منه: كغُبَار الطريق، ونُخالة الدقيق، وما تبقى من الطعام بين الأسنان.

12- يُباح للصائم ذوْق الطعام بشرط أنْ لا يَدخُل منه شئ إلى حَلْقِه، ثم يتمضمض بعد ذلك للتخلص من طعمه.

13- مَن يعمل في الأفران وفي الأعمال الشاقة لا يُباح لهم الفِطر لأنهم مُكَلَّفون، فيَجِب عليهم تبييت نِيَّة الصَوْم بأنْ يُصْبِحُوا صائمين، ومَن اضطر منهم للفِطر أثناء النهار فيَجُوز له أنْ يُفطِر بما يَرفع اضطراره، ثم يُمسِك بَقيّة يومه، وعليه قضاء ذلك اليوم.

14- إذا أصبح جُنًباً (من جماع قبل الفجر أو من احتلام بالليل أو بالنهار) وهو صائم فصَوْمه صحيح ولا يَفسَد بذلك.

15- القبلة والمُعانَقة: كل ذلك لا يُفَطِّر الصائم، إلا إنْ خَشِيَ على نفسه إنزال المَنِيّ، أو أنْ يوقعه ذلك في الجماع.

16- حُكم الاستمناء للصائم - (وهو طلب خروج المَنِيّ بوسيلة كاليَدّ): أنه إذا استمَنِيّ فأنزَل، فقد ذهب الأئمة الأربعة وغيرهم إلى فَسَاد صَوْمه، وعليه قضاء ذلك اليوم، أما إذا فكَّرَ فأمْذَى (أي خرج منه المَذي)، فصيامه صحيح، ولا يَفسَد بذلك، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَة، وهو مذهب أبي حنيفه والشافعي.

قال الشيخ عادل العزَّازي: (ينبغي للعبد أنْ يكون محافِظاً على عبادة ربه، يَصُونُها مما يُخِلّ بها ليتحصل الثواب الكامل، إذ إنه فرق بين صِحَّة العمل وبين قبوله، فرُبَّ عمل وقع صحيحاً من حيث الحُكم الفِقهي، لكنه خالَطَهُ شوائب تُبطِله وتُضَيِّعُه).

واعلم أن الاستمناء حرام، لأنه طلبٌ للشهوة من غير زوجة، أو ما مَلَكَتْ يَمين، وقد قال تعالى: ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأوّلئِكَ هُمُ العَادُونَ ﴾ [المؤمنون: 5 - 7]  (والعادون: هم الذين تعدَّوا حدودَ الله تعالى بالمعصية).

تنبيه: هناك بعض المسائل العلاجية الحديثة، وهي لا تفطر الصائم أيضاً، وقد قرر ذلك مجلس مجمع الفقه الإسلامي المُنعَقِد من 23 إلى 28 صَفَر 1418 هـ، وهذه الأمور التي قررها المجلس ما يلي:
1- الأقراص العلاجية التي تُوضَع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها - إذا اجتنب ابتلاع ما يَنْفذ منها إلى الحَلْق - لا يُفَطِّر الصائم.

2- (حَفر السن، أو قلْع الضِرس، أو تنظيف الأسنان) - اذا اجتنب ابتلاع ما يَنْفذ إلى الحَلْق - لا يُفَطِّر الصائم.

3- المضمضة والغرغرة وبخاخ العلاج الموضعي للفم - اذا اجتنب ما يَنْفذ إلى الحَلْق - لا يُفَطِّر الصائم.

4- غاز الأكسجين لا يُفَطِّر الصائم.

5- غازات التخدير (البنج) لا تُفَطِّر الصائم، ما لم يُعطَ المريض سوائل مغذية (محاليل).

6- ما يدخل الجسم امتصاصاً من الجلد كالدهانات والمراهم واللاصقات العلاجية المُحَمَّلَة بالمواد الدوائية    أو الكيميائية، لا يُفَطِّر الصائم.

7- إدخال (أنبوب دقيق) في الشرايين لتصوير أو علاج أوعية القلب أو غيره من الأعضاء، لا يُفَطِّر الصائم.

8- إدخال منظار من خلال البطن لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها، لا يُفَطِّر الصائم.

9- أخْذ عَيّنات من الكبد أو غيره من الأعضاء ما لم تكن مصحوبة بإعطاء محاليل، لا يُفَطِّر الصائم.

10- دخول أي أداة أو مواد علاجية إلى الدماغ أو النُخاع الشوكي، لايُفَطِّر الصائم.

11- ما يَدخل المِهبَل من تحاميل (لبُوس)، أو غَسُول، أو منظار، أو فحص الطبيبة، كل ذلك لا يُفَطِّر الصائم.

ثانياً: هناك ما يُبطِل الصَوْم ويُوجِبُ القضاء والكَفّارة:
وذلك لا يكون إلا "بالجِماع"، فمتى جامَعَ الصائم في نهار رمضان عالماً بتحريم الجماع أثناء الصَوْم، ومتعمداً لذلك، - وسواء أنْزل أو لم يُنزل -، فقد أثِمَ بذلك، وفسَدَ صَوْمُه ووجب عليه القضاء والكَفّارة.

والكَفّارة هي: عِتق رقبة، فإنْ لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإنْ لم يستطيع فإطعام سِتِينَ مسكيناً، هكذا على هذا الترتيب، فلا يُطعِم ستين مسكيناً إلا إذا لم يَقوَ على صيام الشهرَين، ولا يَصُم إلا إذا لم يجد الرقبة، وهذا قوْل الجمهور.

مسائل ومُلاحَظات:
1- يُشتَرَط في صَوْم الكَفّارة أنْ يكون شهرين متتابعين، والمقصود به الشهر الهجري لا الميلادي.

2- لو جامَعَ في صَوْم فرْض غير رمضان (كصَوْم النذر وكَفّارة اليمين)، أو جامَعَ في صَوْم نفل: فقد فسَدَ صَوْمُه، ولا تَلزَمُهُ الكَفّارة، وهذا ما ذهب إليه الجمهور.

3- إذا جامَعَ مَن له رُخصة بالفِطر (كالمسافر، والمريض) في نهار رمضان، فلا إثم عليه ولا كَفّارة؛ لأنه أُبيح له الفِطر، بشرط ألا يُفسِد على الزوجة صيامها (إنْ كانت صائمة)، وإنما يَجُوز له ذلك إذا كانت هي الأخرى لها رُخصة الفِطر، أو كانت قد طَهُرَت من حَيْضها أثناء النهار.

4- يَجِب على المرأة كَفّارة أيضاً إنْ طاوَعَت الرجل في الجماع؛ وهذا رأي الجمهور، وهو الأرجح، أما إنْ كانت المرأة مُكرَهَة أو لها رُخصة الفِطر، فلا شئَ عليها.

5- اختلف العلماء في مقدار الإطعام؛ فذهب مالك والشافعي وأحمد بأنْ يُطعِم كل مسكين مُدّاً من طعام، (والمُدّ: هو الحِفنة التي تملأ الكَفَّيْن معًا)، (والمعنى أنْ تكون وَجبة مُشبعة للمسكين، أما نوع الطعام فيكون حسب الحالة المادية لمَن عليه الكفارة، والله أعلم).

6- إذا أُعْسِرَ - (أي وجد صعوبة في إخراج ثمن الكَفّارة) - فلم يستطيع الكَفّارة، فإنها متعلقة بذمته إلى أنْ يتيسر له ذلك، وهذا هو مذهب مالك وأبي حنيفة.

ما هي آداب الصَوْم؟
للصَوْم آداب عديدة، نذكر منها:
أوّلاً: السحُور:
قال رسول الله صَلّى الله عليه وسلم: "تسَحَّروا فإن في السحُور بركة"[9]، وقال أيضاً: " لسحُور أكْلُهُ بركة، فلا تدَعُوه ولو أنْ يتجرع أحدكم جرعة ماء؛ فإن الله وملائكته يُصَلُّون على المتسَحِّرين"[10].

مُلاحَظات:
(1) يَجُوز السحُور في أي وقت من الليل، ولكنْ يُستَحَبّ تأخيره، لقوْل النبي صَلّى الله عليه وسلم: "أمرنا معاشر الأنبياء أنْ نعجل إفطارنا، ونؤخر سحورنا، ونضرب بأيماننا على شمائلنا في الصلاة"[11].

(2) إذا سمع الأذان وكان شرابه في يده فله أنْ يشرب حتى ينتهي منه، لقوْل النبي صَلّى الله عليه وسلم: "إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه"[12].

ثانياً: تعجيل الفطور:
يُستَحَبّ للصائم تعجيل الفِطر متى غربت الشمس، واعلم أنه يتحقق الفِطر بأقلّ شئ من الطعام أو الشراب، لكن الأفضل والمُستَحَبّ أنْ يكون فِطرُهُ على رُطَب (بلح)، فإنْ لم يجد فالتمر، فإنْ لم يجد فالماء، واعلم أيضاً أنه يُستَحَبّ الدعاء عند الفِطر، وأصَحّ ما ثبتَ في الدعاء عند الفِطر أن رسول الله صَلّى الله عليه وسلم كان إذا أفطَرَ قال: "ذهبَ الظمأ وابْتَلَّتْ العروق وثبت الأجرُ إنْ شاء الله [13]، ويجوز أيضاً الدعاء بغير ذلك.

ثالثاً: ملازمة التقوى:
وذلك بالكَف عن اللغو والرفث - (وهو الكلام الفاحش) - وغير ذلك مما يُنافي الصَوْم، فقد قال رسول الله صَلّى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم صَوْم أحدكم فلا يَرفُث، ولا يَصخَب - (ومعنى الصَخَب: الخِصام والصِياح) -، ولا يَجهَل، فإنْ شاتَمَهُ أحد أو قاتله فليقل: إني صائم"[14]، وقال رسول الله صَلّى الله عليه وسلم: "مَن لم يَدَعْ قوْلَ الزُور والعمل به، فليس للهِ حاجة في أنْ يَدَع طعامَهُ وشرابَه"[15].

رابعاً: الجُود (يعني الكرم)، ومُدارَسَة القرآن:
فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: "كان النبي صَلّى الله عليه وسلم أجْوَد الناس بالخير، وكان أجْوَد ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى يَنسلخ - (أي حتى يمضي رمضان) -، يَعرض عليه النبي صَلّى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقِيَهُ جبريل عليه السلام كانَ أجْوَد بالخير من الريح المُرسَلَة[16].

خامساً: تجديد التوبة:
فالصَوْم دعوة إلى التوبة والانتباه والرجوع إلى الله، ولكنْ إياكَ أنْ تجعل صيامك سبيلاً إلى الازدياد من المعاصي، وإن من أعظم البَلاء الذي ابْتُلِيَ بهِ كثيرٌ من الخَلْق: (العُكُوف أمام آلات اللَهْو والمعازف والمسرحيات والمسلسلات ينظرون إلى الفواحش، ويسمعون الغناء والفجور).

وإليك - أخي الحبيب - بعض النصائح التي تعينك على التقوى بإذن الله تعالى:
(1) اتخِذ لك صُحبَة مؤمنة تعينك على الطاعة، وابتعد عن قرَناء السُوء.
(2) اجعل قلبك مُعَلَّقاً بالمساجد، وحافظ على صلاة الجماعة مهما كانت الظروف.
(3) ألزم نفسك بالمُواظَبة على قراءة القرآن الكريم.
(4) إياك وسماع الأغاني، فإنها تُنبِتُ النفاق في القلب.
(5) ابتعد تماماً عن الجلوس أمام الأفلام والمسرحيات.
(6) استعن بالله على ترْك المُحَرَّمات، كَشُرب الدخان ونحوه.

صَوْم التَطّوُّع
وينقسم هذا الصَوْم إلى نوعين: (نوع مُستَحَبّ، ونوع مَنْهِي عنه):
أوّلاً: الصَوْم المُستَحَبّ:
(1) صَوْم شعبان:
عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قلتُ يا رسول الله، لم أرك تصُوم من شهر من الشهور ما تصُوم من شعبان، قال "ذاك شهر يَغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرْفَع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أنْ يُرْفَع عملي وأنا صائم" [17].

ففي هذا الحديث بيان للحُكمة من إكثار الصَوْم في شعبان وهي: غفلة الناس عنه، ورفع الأعمال فيه إلى الله.

حُكم التَطّوُّع بعد النصف من شعبان:
قال رسول الله صَلّى الله عليه وسلم: "إذا انتصف شعبان فلا تصُوموا حتى يكون رمضان" [18].

والخُلاصة من أقوال العلماء: (أن النَهْي في هذا الحديث محمول على اختصاص النصف الأخير من شعبان بالصيام (كأنْ يكون الرجل مُفطِراً طُوال شعبان، حتى إذا بقيَ من شعبان نصفه، أخذ في الصَوْم حتى يأتي رمضان)، أو أن النَهْي محمول على عدم وَصْل شعبان برمضان بدون أنْ يفصل بينهم بيومٍ واحد على الأقل، لأن النبي صَلّى الله عليه وسلم قال: "لا تقدموا صَوْم رمضان بيوم أو يَوْمَيْن، إلا أنْ يكون صَوْم يصومه رجل، فيصوم ذلك اليوم" [19].

وعلى هذا فمَن صام في أوّل شعبان ولم يخص أخره بصيام، ولم يَصلْهُ برمضان، فلا حرج من صيامه، والله أعلم.

(2) صَوْم ستة أيام من شوال:
قال رسول الله صَلّى الله عليه وسلم: "مَن صام رمضان وأتْبَعَهُ ستاً من شوال كان كصَوْم الدهر"[20].

واعلم أنه يَجُوز صيام هذه الأيام الستة من شوال متتابعة، أو متفرقة في أي أيام الشهر، عدا اليوم الأوّل، وهو يوم عيد الفِطر فإنه يَحرُمُ صيامه كما سيأتي.

(3) صَوْم المُحَرَّم:
قال رسول الله صَلّى الله عليه وسلم: "أفضل الصلاة بعد المكتوبة: الصلاة في جَوْف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان: شهر الله المُحَرَّم" [21].

(4) صَوْم يوم عرفة لغير الحاج، وصَوْم يوم عاشوراء (وهو اليوم العاشر من شهر المُحَرَّم):
فقد قال رسول الله صَلّى الله عليه وسلم:" صَوْم يوم عرفة يُكَفِّر سنتين؛ ماضية ومقبلة، وصَوْم عاشوراء يُكَفِّر سنة ماضية"[22].

تنبيهات خاصة بصَوْم عاشوراء:
1- لما كان النبي صَلّى الله عليه وسلم في آخر عمره أراد مخالفة اليهود - (لأن اليهود كانت تصوم يوم عاشوراء) - فقال: "لئن بقِيت إلى قابل - (أي: إلى السنة القادمة) - لأصَوْمَنَّ التاسع" [23]، وفي رواية: (فلم يأت العام المُقبل حتى تُوُفِيَ رسول الله صَلّى الله عليه وسلم)، فالمُستَحَبّ في ذلك إذن صيام التاسع والعاشر.

2- جاء في بعض الروايات عند أحمد: "صُوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، وصُوموا قبله يوماً" فهذا حديث ضعيف.

3- إنْ فاته صيام التاسع، فإنه يجُوز له صيام يوم العاشر منفرداً بلا كراهة.

4- ليس هناك أحاديث صحيحة تنُصّ على فضيلة الاكتحال يوم عاشوراء، أوالاغتسال فيه، أوالتَوْسِعَة على العيال فيه، فكُل ما وَرَدَ في ذلك أحاديث مَوضُوعة لا يُحتَجّ بها.

(6) صَوْم الأيام البِيض (13 و14 و15) من الشهر العربي:
فعن ابن عباس رضي الله عنه "أن رسول الله صَلّى الله عليه وسلم كان لا يَدَع صَوْم أيام البيض في سفر ولا حضر"[24]، والأيام البيض هي أيام الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وقد وَرَدَ في فضيلة صَوْمها أنها تعدل صيام الدَهر، وسيأتي الحديث في ذلك.

(7) صيام يَوْمَيْ الاثنين والخميس (طوال العام، وليس في رجب وشعبان فقط كما يظن البعض):
فقد سُئِل رسول الله صَلّى الله عليه وسلم عن سبب صيامه يوم الاثنين والخميس فقال: "إن الأعمال تُعرَض يوم الاثنين والخميس، فأحب أنْ يُرْفع عملي وأنا صائم" [25]، وقال رسول الله صَلّى الله عليه وسلم: "الأعمال تُعرَض كل اثنين وخميس، فيغفر لكل مسلم إلا المتهاجرين، فيقول: أخروهما"[26].

(8) صيام يوم وإفطار يوم:
قال رسول الله صَلّى الله عليه وسلم: "أحب الصيام إلى الله صيام داود؛ كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود؛ كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه"[27].

(9) صَوْم العشر من ذي الحجة:
قال النبي صَلّى الله عليه وسلم: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام - يعني أيام العشر: قيل: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟، قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يَرجع من ذلك بشئ"[28]، ولذلك يُستَحَب صيام التسع الأوَل من ذي الحجة لدخول الصَوْم في جُملة العمل الصالح المذكور  في الحديث، وقد  ثبتَ أن رسول الله صَلّى الله عليه وسلم كان يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر[29].

تنبيه:
فيما يتعلق بصَوْم رجب:
لم تثبت فضيلة لإفراد شهر رجب بصيام، ولا صيام أيام مُعَيَنة منه، بل صيامه كباقي الشهور: فمَن كان له عادة بصيام - (كصيام الاثنين والخميس، و(13 و14 و15)، أو صيام يوم وإفطار يوم) - فهو على عادته، ومَن لم يكن له عادة فلا وجه لتخصيص صَوْمه، ولا صَوْم أوّله، بل ثبت عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - النَهْي عن ذلك، وكذلك لا يخص ليلة السابع والعشرين منه بقيام.

ثانياً: الأيام المَنْهِي عن صيامها:
(1) نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يَوْمَيْ العيد، وهما (يوم الفِطر، ويوم الأضحي).

(2) نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صَوْم أيام التشريق (وهي الأيام الثلاثة التي تلي يوم الأضحى فلا يُرَخَص في صيامها إلا للحاج الذي لم يجد الهَدْي لقوْله تعالى: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ﴾ [البقرة: 196].

(3) نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صَوْم يوم الجمعة منفرداً، أما إذا صام معه يوماً قبله أو يوماً بعده فإنه يجوز له ذلك، ولكنْ يُلاحَظ أنه يَجُوز صَوْم يوم الجمعة منفرداً في حالة ما إذا وافق صياماً كان يصومه، كيوم عرفة، ويوم عاشوراء، وصيام يوم وإفطار يوم، وغير ذلك.

(4) نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم السبت منفرداً، لأن اليهود يُعَظمون يوم السبت، أما إذا صامَ معه يوماً قبله أو يوماً بعده فإنه يجوز له ذلك، ولكنْ يُلاحَظ أنه يَجُوز صَوْم يوم السبت منفرداً في حالة ما إذا وافق صياماً كان يصومه، كيوم عرفة، ويوم عاشوراء، وصيام يوم وإفطار يوم، وغير ذلك.

(5) نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الشَك: ويوم الشك هو آخر يوم من شعبان، وذلك إذا كان في السماء تراب، أو سحاب حالَ دُون رؤية هلال رمضان، فعندئذٍ يُحتَمَل وجود الهلال ويُحتَمَل عدم وجوده، ومع هذا فلا يَجُوز صَوْمه إلا بالتحقيق من الرؤية، إلا أنْ يكون لرَجُل عادة بصيام - (كأنْ يكون من عادته أنْ يصوم يوماً ويُفطِر يوماً) -، فوافق هذا اليوم عادته فلا مانع من صَوْمه.

(6) نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صَوْم الدهر (وذلك بأنْ يصوم كل أيام السَنَة، فلا يَفصل بينها بإفطار).

(7) النَهْي عن الوصَال، والمقصود أنْ يُواصل صيام أيام متتالية دونَ أنْ يُفطر عند أذان مغرب أيّ من هذه الأيام، بل يُواصل الصيام إلى انتهاء هذه الأيام، ثم يُفطر بعد ذلك، لكنْ يَجُوز أنْ يُواصل فقط إلى وقت السَحَر، لما ثبت أن النبي صَلّى الله عليه وسلم قال: "لا تواصلوا، فأيُّكُم أرادَ أنْ يُواصل فليُواصل إلى السَحَر" (متفق عليه).

(8) نهى النبي صلى الله عليه وسلم المرأة عن صَوْم التَطّوُّع إلا بإذن زوجها طالما أنه حاضر معها، لكن يَجُوز لها أنْ تصُوم وهو غائب عنها (يعني إذا كان مسافراً، أو كان لا يمكنه التمتع بها لمرض أو غير ذلك).

تنبيه:
لا يَلزَم الإتمام في صيام التَطّوُّع، لكنْ ينبغي للإنسان أنْ لا يقطع صَوْم التَطّوُّع إلا لغرض صحيح، فإذا قطعه فلا يجب عليه قضاء ذلك اليوم - على الراجح - والله أعلم.

أحكام الصيام في الحالات الخاصة:
أوّلاً: الصَوْم في السفر:، ويتعلق بذلك بعض المسائل:
المسألة الأولَى: ما حُكم الصَوْم في السفر؟
يُباح للمسافر الفِطر، حتى ولو قويَ على الصيام، لقوْل الله تعالى: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ [البقرة: 184]، ولكن مع وجود رُخصة الإفطار - هل يَجُوز له أنْ يصوم؟ وإذا صام هل يُجْزئُه؟

ذهب جمهور العلماء: إلى جواز صَوْم المسافر، وأن ذلك يُجْزئُه، وذهب فريق آخر إلى أنه يجب الفِطر للمسافر ولا يُجْزئُه الصَوْم، والراجح ما ذهب إليه الجمهور من جواز الصَوْم للمسافر وأن ذلك يُجْزئُه، فقد ثبت أن رسول الله صَلّى الله عليه وسلم صامَ في السفر.

المسألة الثانِيَّة: هل الصَوْم أفضل للمسافر أم الفِطر؟
عَلِمْنا أن الراجح هو قوْل الجمهور بإباحة الفِطر للمسافر وجواز صَوْمه، ولكن هل الصَوْم أفضل له أم الفِطر؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوالٍ عِدَّة،أحْسَنُها وأفضَلُهَا أن الصَوْم في السفر لمَن قويَ عليه أفضل من الفِطر، وأما مَن شقَّ عليه الصَوْم فإن الفِطر له أفضل، وأما مَن لم يجد مَشَقة من السفر فإنه يُخَيَّر بين الصَوْم والفِطر.

مُلاحَظات وتنبيهات:
(1) مَن دخل عليه شهر رمضان وهو في الحَضَر (يعني وهو مُقِيم في بلده)، ثم سافر بعد ذلك في أي يوم من أيام رمضان أُبيح له الفِطر - على الراجح من أقوال العلماء، وكذلك يُباح له الفِطر إذا أصبح صائماً وهو مُقِيم، ثم أراد أنْ يسافر بالنهار.

(2) إذا أراد المسافر أنْ يأخذ برُخصة الفِطر فإنه يُباح له الفِطر قبل مغادرة بيته.

(3) لا يَجُوز للإنسان أنْ يتحَيَّل على الإفطار في رمضان بالسفر؛ لأن التحَيُّل على إسقاط واجب لا يُسقِطُهُ، كما أن التحَيُّل على المُحَرَّم لا يجعله مُبَاحاً.

(4) الذين يسافرون دائماً كسائقي الشاحنات والقطارات والطائرات ونَحْوِهم لهم الترخص برُخصة الفِطر، وعليهم أنْ يقضوا تلك الأيام في أيام عُطلَته، فإذا لم تكن له أيام عُطلة فإنه يُطعم عن كل يوم أفطره مسكيناً.

(5) يُباح الإفطار للمسافر حتى ولو كان سفره بوسائل النقل المريحة، وسواء وجد مَشَقَّة من السفر أو لم يجدها، إذ أنَّ سبب الفِطر: (وجود السفر) دون التَقَيُّد بشئ آخر.

(6) إذا قدِمَ المسافر أثناء النهار مُفطِراً، فالصحيح أنه لا يجب عليه الإمساك عن الطعام بقية النهار لعدم وجود دليل يُوجِبُ عليه ذلك.

ثانياً: الحامل والمُرضِع:
يُباح للحامل والمُرضِع الفِطر في رمضان، ولكن اختلف العلماء: ماذا عليها لو أخذت برخصة الفِطر وأفطرت: (هل تُطعِم عن كل يومٍ أفطَرَته مسكيناً فقط؟ أم تقضي بعد رمضان الأيام التي أفطَرَتها فقط؟ أم تُطعِم وتقضي معاً؟): على أقوالٍ، أرجَحُها وأصَحُّّها أن الحامل أو المُرضِع إذا أفطرت فعليها أنْ تُطعِم عن كل يوم مسكيناً ولا قضاء عليها لتلك الأيام التي أفطرتها من رمضان.

مُلاحَظات وتنبيهات:
(1) لو استؤجرت المرأة لإرضاع غير ولدها، أو أرضعته تقرُباً إلى الله؛ فإنه يُباح لها الفِطر، وتُطعِم عن كل يوم مسكيناً كما لو كانت ترضع ولدها، ولا قضاء عليها لتلك الأيام التي أفطرتها من رمضان.

(2) لو كانت المُرضِع أو الحامل مسافرة، أو مريضة فأفطرت بنِيَّة الترخص بالمرض، أو السفر فلا فِديَة عليها بلا خلاف، (يعني لا تطعم عن كل يوم مسكيناً)، ولكنْ عليها قضاء هذه الأيام بعد رمضان.

(3) على مَن يجب الإطعام؟ قال الشيخ ابن عُثَيْمِين (رَحِمَهُ الله): (...الإطعام واجب على مَن تلزمه النفقة).

ثالثاً: المريض:
يُباح للمريض الفِطر في رمضان لقوْل الله تعالى: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾  [البقرة: 184].

وقد اختلف العلماء في نوع المرض المُبِيح للفِطر:
فذهب فريق منهم إلى أنه المرض الذي تلحقه بسببه المشقة، أو الذي يخاف زيادة مرضه بسبب الصَوْم، وقال أحمد (رَحِمَهُ الله): هو المرض الغالب - الشديد، وعند الظاهرية: كل ما أطلق عليه اسم المرض لعموم اللفظ في الآية.

وقد قسَّمَهُ الشيخ ابن عُثَيْمِين إلى ثلاثة أقسام:
الأوّل: ألا يتأثر بالصَوْم مثل الصُداع والزكام، فهذا لا يَحِلّ له الفِطر.
الثاني: يَشُق عليه الصَوْم ولكنْ لا يضره، فيُكرَه له الصَوْم ويُستَحَبّ له الفِطر.
الثالث: يَشُق عليه الصَوْم وَيَضُرُّه، كَمَرْضَى الكُلَى والسُكَّر. قال الشيخ: والصَوْم عليه حرام.

لكنْ ماذا يجب على المريض إذا أخذ برخصة الفِطر وأفطر؟
أ- إنْ كان المرض مما يُرجَى شفاؤه، فيجب عليه أنْ يقضي هذه الأيام في أيام أخر، كما وَرَدَ ذلك في الآية.

ب- وإنْ كان المرض مما لا يُرجَى شفاؤه، كأنْ يكون المرض مُزمِناً فعلى قوْلين:
القوْل الأوّل: يُطعِم عن كل يوم مسكيناً، وهذا ما عليه جمهور العلماء.

القوْل الثاني: يسقط عنه الصَوْم (يعني لا يُطعِم ولا يقضي)، لقوْلِهِ تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: 16].

والأحْوَط في ذلك العمل بالقوْل الأوّل بأنْ يُطعِم عن كل يوم مسكيناً.

رابعاً: الحائض والنُفَساء:
يجب على الحائض والنُفَساء الفِطر، ولا يَصِحّ صَوْمها، بل يَحرُمُ عليها الصَوْم، فلو صامت أثِمَت، وكان الصَوْم باطلاً، ويجب عليها القضاء، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كُنَّا نَحِيض على عهد رسول الله صَلّى الله عليه  وسلم فنُؤمَر بقضاء الصَوْم، ولا نُؤمَر بقضاء الصلاة (رواه مسلم (335)).

وإذا طَهُرَت الحائض أثناء النهار (وكانت مُفطِرة)، فلا يَلزَمُهُا الإمساك عن الطعام بقية النهار، لأنه ليس هناك دليل يأمرها بذلك، وعليها قضاء هذا اليوم، أما إذا طَهُرَت قبل الفجر الصادق - (يعني قبل بداية يوم جديد في الصيام) - ولو بلحظة: فإنها تنوي الصيام وتصُوم، سواء اغتسلت قبل الفجر أو بعده، ويكون صَوْمُها صحيحاً.

أما إذا حاضت المرأة قبل غروب الشمس، ولو بلحظة فعليها قضاء ذلك اليوم، وأما إذا أحَسَّت بأعراض الحَيْض من وَجَع وتألُّم وغير ذلك، ولكنها لم تَرَ الدم خارجاً إلا بعد غروب الشمس فالصَوْم صحيح، ولا قضاء عليها.

تنبيهات:
1- المُستَحَاضة - (وهي التي يخرج منها الدم في غير زمن الحَيْض) - صَوْمُها صحيح على كل حال، فلا تمتنع عن الصَوْم.

2- إذا أسْقطَت المرأة قبل الأربعين فالأرجح أنه دم نِفاس (يعني لا تصوم ولا تصلي).

3- لو تعاطت المرأة أدوية تمنع الحَيْض فلم تر الدم، فصَوْمها صحيح، والأولَى أنْ تتعبد لله بفطرها وصيامها ولا تُكَلِّف نفسها هذا العَنَاء، وربما تسبب هذه الأدوية إضراراً لها.

أحكام القضاء (أي: قضاء الصوم)، وأحكام الفِديَة (أي: إطعام المساكين):
أوّلاً: القضاء:
تقدم أنه يجب على مَن أفطر في رمضان: عدة من أيامٍ أخر، وهذا يشمل المسافر والمريض والنُفَساء، ويشمل أيضاً مَن تعمد الإفطار، ويُلاحَظ أنه يتعلق بذلك بعض المسائل:
1- لا يجب التتابع في قضاء هذه الأيام؛ فمن شاء صامها متتابعة، ومن شاء صامها متفرقة.

2- وجوب قضاء هذه الأيام على في أيّ وقت من السنة قبل أنْ يأتي رمضان الذي يَلِيه، لكنَّ الأولَى: (المسارعة إلى قضاءها)، لقوْله تعالى: ﴿أوّلئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾ [المؤمنون: 61].

3- هل يَجُوز أنْ يصوم صيام تَطّوُّع قبل أنْ يقضي ما عليه، أم يجب أنْ يقضي ما عليه أوّلاً قبل أي صَوْم آخر؟

الصحيح: نعم يَجُوز له أنْ يصوم صيام تَطّوُّع قبل أنْ يقضي ما عليه، لأن وقت القضاء مُوَسَّع، ولكنَّ الأولَى  أنْ يقضي ما عليه أوّلاً، ثم يصوم النفل إنْ شاء.

4- إنْ كان عليه أيام من رمضان، فأخَّرَ قضاءها حتى جاء رمضان آخر، فإنه يصوم الحاضر، ثم يقضي ما عليه بعده، ولا فِديَة عليه - (يعني: وليس عليه إطعام مساكين بسبب تأخيره لقضاء تلك الأيام) - على الراجح من أقوال العلماء، سواء كان التأخير لعُذر أم لغير عُذر، وهذا مذهب الحنفية والظاهرية.

قال الشيخ عادل العزَّازي: (إلا أنه يأثم بتأخيره،...).

ثانياً: الفِديَة (يعني: إطعام المساكين):
قال تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِديَة طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ [البقرة: 184]، ويدخل في ذلك الحامل، والمُرضِع، والشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمريض (مرضاً مُزمِناً لا يُرجَى شفاؤه) فكل هؤلاء يُطعِمون مسكيناً عن كل يومٍ أفطروه من رمضان.

ويُلاحَظ أنه يتعلق بذلك بعض المسائل:
1- يجوز أنْ يكون إطعام المساكين في نفس الأيام التي أفطر فيها، و يجوز أنْ يكون الإطعام بعد هذه الأيام، ولكن يُلاحَظ أنه لا يُطعِم قبلها؛ لأنه لم يتعلق بذِمَّتِه وُجوب الإطعام إلا بعد مَجِئ ذلك اليوم الذي أفطَرَ فيه، واعلم أنه يَجُوز أنْ يجعل إطعام الأيام كلها في آخر الشهر، فقد ثبتَ عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه أفطر عند كِبَرِه، فأطعَمَ ثلاثين مسكيناً في آخر يوم.

2- اختلف العلماء في مقدار الإطعام للمسكين الواحد، وسبب ذلك أنه لم يَنُصّ دليل على مقداره، فذهب بعض العلماء أنه مُدّ من طعام لكل يوم، كما تقدم في طعام الكَفّارة - لمن جامع زوجته في نهار رمضان -  أنه يعادل مُدّاً لكل مسكين، وقيل: نصف صاع قياساً على فِديَة محظورات الإحرام، (والصاع هو مايعادل 2.5كيلو جرام تقريباً)، ويَجُوز أنْ يجمع كل المساكين على طعامٍ واحد كما فعل أنس رضي الله عنه، فالأمر مُوَسَّع والحمد لله.

3- لم تَنُصّ الآية كذلك على نوع الطعام، والأشبَه أنْ يُقال: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ [المائدة: 89]، كما في إطعام كَفّارة اليمين، وكما هو الحال في زكاة الفِطر.

4- لا يُشتَرَط أنْ يُعَدِّد المساكين بعدد الأيام، فلو أطعم نفس المسكين كل يوم أجزأه، وهذا بخلاف الكَفّارة، فالأرجح في الكَفّارة أنْ يُعَدِّدَهم تَمَشِّيَاً مع ظاهر الحديث: "أطعِم ستين مسكيناً" والله أعلم.

5- لا يَجُوز إخراج قِيمة الإطعام نقوداً؛ لأنَّ الآية نَصَّت على الإطعام، فلو أخرج دراهم أو دنانير لم يُجزِئُه ذلك.

مسألة: فيمَن مات وعليه صيام:
اختلفت آراء العلماء فيمَن مات وعليه صيام: (هل يصوم عنه غيره أم لا؟)، والصحيح من أقوال العلماء هو أنْ يصوم عنه وَلِيُّه - والوَلِيّ هو الوارث للميت أو كل قريبٍ له، والأولَى حَملُهُ على "الوارث" فهو أقرب الناس إليه، واعلم أنه لو صام عنه أجنبي - إنْ كان ذلك بإذن الولي - صَحَّ صيامه عنه وإلا، فلا - على الأصَحّ.

مُلاحَظات:
1- هذا الحُكم في حالة إذا ما كان الميت متمكناً في حياته من قضاء هذه الأيام التي عليه، ولم يقضها حتى مات، وأما إنْ استمرَّ به المرض - الذي يُرجَى شفاؤه - حتى مات فليس عليه شئ (لا صيام ولا طعام)، فلا يجب أنْ يُصَام عنه، ولا أنْ يُطعِم عنه، أما إذا المرض مُزمِناً أو لا يُرجى شفاؤه فإنه يُطعِم مسكيناً عن كل يومٍ أفطره.

2- أما بالنسبة للصلاة فلا يصلي عنه أحد صلاة فائتة بالإجماع، وكذلك الإجماع على أنه لا يصوم عنه أحد في حياته، إنما الخلاف في الميت.

3- الأولَى أنْ يُصَام عنه بعدد الأيام، بمعنى أنْ تُوَزَّع تلك الأيام - التي عليه - على الأولَياء - سواء الورثة أو الأقارب - بأنْ يصوم كل واحد منهم عدداً من الأيام، بحيث يصوم هذا في أيامٍ غير التي صامها الآخر؛ ويرى بعضهم أنه لو صام ثلاثون رجلاً يوماً واحداً (بأنْ يصوموا كلهم في نفس اليوم) عن ثلاثين يوماً فإن ذلك يُجزئُه.

الاعتكاف:
معنى الاعتكاف: الاعتكاف معناه: (ملازمة المسجد من أجل حَبْس النفس على فِعل ما يتقرب به إلى الله)، والأصل أنْ لا يفعل إلا الأعمال الخاصة بالمساجد من (صلاة وذِكر وتلاوة،...)، ومما يدل على ذلك حديث عائشة رضي الله عنها: (السُنَّة على المُعتَكِف أنْ لا يَعُود مريضاً، ولا يشهد جنازة، ولا يَمَسّ امرأة،.. ولا يخرج لحاجة إلا لما لابُدَّ منه).

ما هي أقل مُدَّة للاعتكاف؟
أما اعتكاف النَذر فيؤديه الناذر حسب ما نذره (يعني حسب المُدَّة التي نذرها)، وأما الاعتكاف الجائز فقد اختلف العلماء في أقل مُدَّة له، فمنهم مَن يرى أنه لو اعتكف ليلة أجزأه (يعني من أذان المغرب إلى الفجر)، وذلك لأنهم لا يشترطون الصَوْم في الاعتكاف، ومنهم مَن يرى أنه لا يُجزئه أقلّ من يوم وليلة (يعني 24 ساعة تقريباً)، وذلك لأنهم يشترطون الصَوْم في الاعتكاف، وهذا هو قوْل الجمهور، وهو الأرجَح، ولكنْ لا نُنكِر على الفريق الآخر الذي يقول بأنّ أقلّ الاعتكاف ليلة.

واعلم أنّه من السُنَّة أنْ يكون الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؛ لأن ذلك هو هَدْيُهُ صَلّى الله عليه وسلم، وأما اعتكاف أي يوم غير العشر الأواخر من رمضان فجائز.

أركان الاعتكاف:
1. النِيَّة (ومَحَلُّها القلب).
2. المُكث في المسجد.
3. الشخص المُعتَكِف.
4. المُعتكَف فيه، وهو المسجد.

ويُشتَرَط في الشخص المُعتَكِف أنْ يكون مسلماً عاقلاً، ويَصِحّ من الصبي ومن المرأة.

متى يدخل المُعتَكِف مُعتَكَفه، ومتى يخرج منه؟
ذهب بعض العلماء إلى أن المُعتَكِف يدخل مُعتَكَفه قبل غروب شمس يوم الحادي والعشرين من رمضان، وكذلك يرون خروجه بعد غروب شمس أخر يوم من رمضان، والراجح أن المُعتَكِف يدخل مُعتَكَفه قبل فجر يوم الحادي والعشرين، ويخرج منه بعد صلاة فجر يوم العيد (فلا يُنكر أحدٌ على أحد).

ما يُباح للمُعتَكِف:
(1) يَجُوز للمُعتَكِف الخروج لحاجته الضرورية، مثل جَلْب الطعام والشراب - إنْ لم يجد مَن يحمله إليه.

(2) يَجُوز للمُعتَكِف الخروج للوضوء والغُسل وقضاء الحاجة (هذا في حالة عدم وجود مكان في المسجد لذلك).

(3) يَجُوز للمُعتَكِف تسريح الشعر، وحلق الرأس، وتقليم الأظافر، وتنظيف البدن، فكل ذلك لا يُنَافِي للاعتكاف.

(4) رَخَّصَ الجمهور للمُعتَكِف في البيع والشراء لما لابُدَّ له منه (يعني من أجل الحصول على طعامه وشرابه)، واتفقوا على أنه لا يشتغل بالتجارة، ولا بالحرفة للاكتساب، ولكنْ اعلم أنه يجُوز للمعتكِف الذهاب لِعمله (في حالة عدم استطاعته الحصول على راحة من العمل فترة اعتكافه، ويكون أجره على قدر الفترة التي اعتكفها بالمسجد).

(5) يجوز اشتغال المُعتَكِف بالأمور المُبَاحة مِن تشييع زائره، والقيام معه، والحديث مع غيره، وإباحة خُلوة المُعتَكِف بالزوجة، وزيارة المرأة للمُعتَكِف.

(6) الراجح جواز التَطَيُّب للمُعتَكِف - (يعني وَضْع المِسك ونَحْوِه).

(7) إذا تَعَيَّنَ عليه أداء شهادة (يعني كان أداء الشهادة فرض عَيْن عليه، كأنْ يكون هو الشاهد الوحيد مثلاً) فإنه يجوز له الخروج لأدائها ولا يَبطُل اعتكافهوذلك لقوْله تعالى: ﴿ وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ﴾ [البقرة: 282].

(8) يَجُوز للمُستَحَاضة - (وهي التي يخرج منها الدم في غير زمن الحَيْض) - أنْ تعتكف، وأما الحائض فالمسألة مبنِيَّة على حُكم مُكْث الحائض في المسجد، وقد تقدم في باب الطهارة ترجيح جواز مُكْث الحائض في المسجد والله أعلم، وهذا الحُكم لِمَن يري عدم اشتراط الصَوْم في الاعتكاف(لأن الحائض لا تصوم).

(9) إذا أرادت المرأة الاعتكاف: استأذنت زوجها، فإذا اعتكفت بغير إذنه كان له أنْ يخرجها، وحتى إنْ أذن لها ثم رأى بعد ذلك أنْ يرجع فيمنعها فله ذلك.

(10) أجمع العلماء على أن الاعتكاف يَفسَد بالجماع عمداً، قال تعالى: ﴿ وَلاَ تُباشَرَوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ ﴾ [البقرة: 187]، وإذا فعل المُعتَكِف ذلك فعليه قضاء الاعتكاف بعد رمضان بسبب إفساده لاعتكافه.

ليلة القدر:
اعلم - رحمك الله - أنه يُستحب الاجتهاد في العشر الأواخر من أجل تَحَرِّي ليلة القدر:
قال رسول الله صَلّى الله عليه وسلم: "تحَرُّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان" (متفق عليه)، وكان صَلّى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر من رمضان، وكان النبي صَلّى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شَدَّ مِئزَرَه - (يعني اجتهد في العبادة واعتزل النساء) -، وأحيا لَيْلَهُ -(يعني سَهِرَهُ بالطاعة من صلاة وقراءة القران والذِكر وغير ذلك) -، وأيقظ أهله - (أي: للصلاة)" (متفق عليه).

واعلم أنَّ مَن فاتته ليلة القدر فقد فاته خير كثير، فعن أنس رضي الله عنه قال: دخل رمضان، فقال رسول الله صَلّى الله عليه وسلم: "إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خيرٌ من ألف شهر، مَن حُرِمَهَا فقد حُرِمَ الخير كله، ولا يُحرَمُ خيرها إلا محروم" (انظر صحيح الترغيب والترهيب (1 / 818).

ومن الأعمال المُستَحَبّة في هذه الليلة:
أ- الاعتكاف: فقد كان النبي صَلّى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله (متفق عليه).

ب- قيام ليلها إيماناً واحتساباً: فقد قال النبي صَلّى الله عليه وسلم: "مَن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" (متفق عليه).

ج- الدعاء: فقد قالت عائشة رضي الله عنها للنبي صَلّى الله عليه وسلم: أرايتَ إنْ وافقتُ ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: "قولي: اللهم إنك عَفُوٌّ تحب العفو فاعفُ عني" (انظر صحيح الجامع حديث رقم: (4423)).

د- إيقاظ أهله للصلاة: وقد تقدم الحديث في ذلك.

ثامناً: علاماتها:
(1) أنها ليلة لا حارة ولا باردة.
(2) أن الشمس تخرج في صباح اليوم التالي لها حمراء لا شعاع لها.
  
 "التلخيص على مسؤولية الكاتب"


[1] مُختَصَرَة من كتاب (تمام المِنّة في فِقه الكتاب وصحيح السُنّة) لفضيلة الشيخ عادل العزّازي أثابه الله لمن أراد الرجوع للأدلة والترجيح، وأما الكلام الذي تحته خط أثناء الشرح من توضيحٍ أو تعليقٍ أو إضافةٍ أو غير ذلك فهو من كلامي (أبو أحمد المصري)، وقد تمَّ مراجعة المُلَخَّص من أحد تلاميذ الشيخ عادل.
[2] (انظر صحيح الجامع (3882)).
[3] (متفق عليه).
[4] (انظر صحيح سنن ابن ماجه).
[5] (متفق عليه).
[6] (انظر صحيح الجامع حديث: 6243).
[7] (انظر صحيح الجامع حديث: 927).
[8] (رواه البخاري (1939).
[9] (متفق عليه).
[10] (انظر صحيح الترغيب (1066)).
[11] (انظر صحيح الجامع (2286)).
[12] (انظر صحيح الجامع 607).
[13] (انظر صحيح الجامع 4678).
[14] (متفق عليه).
[15] (متفق عليه).
[16] (متفق عليه).
[17] (انظر صحيح الترغيب (1022).
[18] (انظر صحيح الجامع حديث: 397).
[19] (متفق عليه).
[20] (رواه مسلم (1164)).
[21] (رواه مسلم (1163)).
[22] (رواه مسلم (1162)).
[23] (رواه مسلم (1134)
[24] (انظر صحيح الجامع (4848)).
[25] (صحيح: رواه النسائي (4 / 201)).
[26] (انظر صحيح الجامع حديث: 4804).
[27] (متفق عليه).
[28] (البخاري (969).
[29] (انظر صحيح سنن أبي داود).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق