الاثنين، 13 مايو، 2013

ما حكم إخراج زكاة الفطر نقدا ؟

ما حكم إخراج زكاة الفطر نقدا ؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد‏:
قبل الشروع في الإجابة على السؤال يجدر التنبيه على ثلاث قواعد؛ لأن هذه المسألة يكثر الجدال فيها في كل عام :
الأولى: أن العبادات مبناها على التوقيف، فيجب أن تؤدى على الوجه الذي شرعه الله، فكل العبادات لابد من أدائها على مقتضى الاعتبارات الشرعية نوعًا ووقتًا ومصرفًا؛ فلا يغير نوع العبادة الذي شرعه الله إلى نوع آخر إلا بدليل.‏
الثانية: أنه يجب الرجوع في حال التنازع إلى الكتاب والسنة قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }النساء59
الثالثة: أن الخلاف حاصل ولابد{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّه} وليس هو مراد لذاته وإنما هو ابتلاء واختبار(لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) فيسعى في البحث والتحري للصواب، ولا يكون كأولئك الذين يقولون (علقها برقبة عالم واطلع منها سالم) وبطلان المقالة ظاهر ويكفي في ذلك قول أبي حنيفة رحمه الله:"لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه".
والجواب عن المسألة يكون من ناحيتين :
الناحية الأولى : من حيث ذكر الأقوال في المسألة مع دليل كل قول :
القول الأول : أنه لا يجزئ إخراج زكاة الفطر نقدا، وأن المشروع دفعها على الوجه الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم واستدلوا بأدلة :
الأول: حديث أبي سعيد قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر، صاعا من تمر أو صاعا من شعير وكان طعامنا يومئذ الشعير"فتبين بذلك أنه ينبغي أن تدفع صاعًا من قوت أهل البلد. وإخراج القيمة لا يجزئ؛ لأنه خلاف ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم والله يقول: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }النور63 والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" متفق عليه وفي روايه "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" .   
الثاني: ما ورد عن ابن عباس : فرض رسول الله صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين " والشاهد قوله طعمة للمساكين حيث لم يقل كسوة أو دفع مال، بل فريضة معينة لإشباع المساكين ، مع توفر المال على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
الثالث: أنه قد ثبت إجماع الصحابة على إخراجها طعاما ولم يكونوا يخرجون القيمة وهم أعلم منا بما يجوز وما لا يجوز إخراجه فعن أبي سعيد الخدري قال: "كنا نخرج زكاة الفطر إذا كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من زبيب أو صاعا من أقط... قال أبو سعيد: فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه" مع أن الدنانير والدراهم كانت متوفرة لديهم وبكثرة فقد ملكوا كنوز كسرى ومال قيصر.
الرابع: أن إخراجها صاعا من طعام يجعلها شعيرة ظاهرة بين المسلمين معلومة للصغير والكبير، بخلاف ما لو أخرجت القيمة فإنها تخرج عن كونها شعيرة ظاهرة إلى كونها صدقة خفية، بل يصل الحد ببعضهم إلى خلطها مع غيرها من الأموال؛ وعليه فتقدم عن وقتها أو تؤخر حتى تترك الأحكام الخاصة بهذه الفريضة.     
القول الثاني : ‏أن إخراج القيمة مجزئ عن إخراجها صاعا من طعام وإن كان الأولى إخراجها طعاما. واستدلوا بدليلين :
الأول: أنه فعل عمر بن عبد العزيز وهو من الأئمة المشهود لهم بالعلم والفضل وهو قول جماعة كبيرة من أهل العلم في هذا العصر.
الثاني: أن بعض البلدان فيها فقراء محتاجون بل إنهم يصرحون بأن حاجتهم للمال أكثر من حاجتهم للطعام .
الناحية الثانية : من حيث مناقشة القولين مع الترجيح:
 
بالتأمل بالقواعد الثلاث التي شرعنا في توضيحها ثم بأدلة القولين يتبين لنا ما يلي :
أولاً:  إن بعض الناس في هذا الزمان يحاولون تغيير العبادات عن وضعها الشرعي، زعماً منهم أن هذا الزمن يختلف عن ذلك الزمان ، والصواب كما قال الإمام مالك:" أن ما كان بالأمس ديناً فهو باليوم دينا" وصدقة الفطر لها وقت تخرج فيه، وهو ليلة العيد أو قبله بيومين فقط عند العلماء، ولها مكان تخرج فيه، وهو البلد الذي يوافي تمام الشهر والمسلم فيه، ولها أهل تصرف فيهم، وهم مساكين ذلك البلد، ولها نوع تخرج منه، وهو الطعام؛ فلا بد من التقيد بهذه الاعتبارات الشرعية، وإلا فإنها لا تكون عبادة صحيحة، ولا مبرئة للذمة‏.‏
ثانياً: أنه بالنظر إلى أدلة القولين نجد القول الأول مدعم بالنصوص الصريحة التي لا تحتمل التأويل ، أما القول الثاني فمبناه على الاجتهاد .
ثالثاً: أن العلماء الذين قالوا بجواز إخراج القيمة ليسوا هم بأكثر ولا بأفضل من الذين منعوا ذلك ، فإنه على رأس المانعين الصحابة والأئمة الأربعة وخالف زفر صاحب أبي حنيفة وعمر بن عبد العزيز إن صح عنهما . ثم إنهم قالوا ذلك عن اجتهاد، والاجتهاد إذا خالف النص لا اعتبار به‏ ؛ قيل للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله:‏ قوم يقولون‏:‏ عمر بن عبد العزيز كان يأخذ القيمة في الفطرة‏؟‏ قال‏:‏ يَدَعون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون‏:‏ قال فلان، وقد قال ابن عمر‏:‏ فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعًا‏.‏‏.‏‏.‏إ.هـ
رابعاً: أن مساعدة المحتاجين من المسلمين مطلوبة في أي مكان، لكن العاطفة لا تكون على حساب الدين وتغيير العبادة، فالعبادة التي شرعها الله ينبغي أدائها على الوجه المشروع؛ لأنه لا يجوز التصرف وتغيير العبادة عن الصيغة التي شرعها الله بدون دليل .
خامساً: أن من أراد نفع المحتاجين من إخواننا المسلمين؛ فليساعدهم بالأموال والملابس والأطعمة وكل ما فيه نفع لهم، فالنفع ليس مقصوراً في صدقة الفطر، أما العبادات فإنها لا تغير عن وقتها ومكانها بدعوى مساعدة المحتاجين .
وأختم باستشكال قد يورده البعض وهو أنه قد يعطى الفقير كميات هائلة من القوت، فيكون مستغنٍ بذلك فيحتاج إلى النقود، والجواب أنه لا بأس أن يعطى الفقير ما يكفه عن المسألة من ذلك القوت ما يكفيه إلى عامه القابل ، وينبغي للمسلم أن لا ينسى إخوانه من بقية أنواع الصدقات من الكسوة وكافة الاحتياجات اليومية والله أعلم .
إذا تقرر ما سبق فالواجب على المسلم أن يحرص على براءة ذمته والاحتياط لدينه، خصوصاً إذا علم أن القولان متفقان على مشروعية إخراجها طعاماً .
هذا والله أعلم وأحكم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه‏ وسلم .