الخميس، 23 يونيو، 2011

وأحسن كما أحسن الله إليك



إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله :
........|| يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ || سورة || آل عمران || الآية (102) .........||يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبً||سورة || النساء || الآية (1)........||يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ||سورة ||الأحزاب|| الآية (70-71)....أما بعد
....اعلم - رحمك الله تعالى- أن هذه الأمة متقدمة عن غيرها في الفضائل والمآثر، ممتازة عنهم بالمحامد، وما ذاك إلا بفضل الله عليها بالبعثة النبوية المباركة، فكانت||خير أمة أخرجت للناس|| وهذه الخيرية خيرية عامة في جميع مناحي الحياة، وفيما يخص السمو بشقيه : الروحي والبدني .........فعندما تطهر النفس من آفاتها، وتتخلص من شهواتها، وتتحلى بالفضائل، وتتزين بالمكارم : تثمر أعظم الثمار، وتخرج لنا كل حسان .........هذا .. وللإنفاق دور عظيم في تهذيب النفوس وإصلاح حال الفرد واستقامة المجتمع، يدرك ذلك كل ناظر، ويقف على حقيقته كل متأمل([1]) .
........ذلك .. إن في الإنفاق تليين وتذليل ومعالجة لتلكم لقلوب الصلدة القاسية، فالجود والسخاء- بإذن الله تعالى- يقلب البغضاء محبة، والعداوة وداً، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى هو مواساة للفقراء والمسكين والمعوزين عموماً .........ولقد طبعت القلوب على حبّ من أحسن إليها، والميل إليه والنفور ممن آذاها وأساء إليها

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم.... فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ
........فبالإحسان تفتّح القلوب وتستملك، وتتآلف النفوس وتتواد، وتنسجم الأرواح وتتحاب، علم ذلك الأتقياء الأبرار فراحوا في دعوتهم للناس ومحبتهم في إيصال الخير لهم يغذونهم بنوعي الغذاء : الرُوحي والبدني :
....فالأول : تسمو به الأرواح وتنقاد إلى باريها .....
....والثاني : يستقيم به العود وتسد به الحاجات؛ فيتفرغ المرء إلى طاعة ربه .....
....فعمرت بإحسانهم قلوب أهل الحاجة من بعد جدب، وأشرقت وجوههم من بعد أُفول . ....
....فعلى هذا لا تمنعنّ أحداً رفدك([2])– وصلك الله تعالى وكفاك . ....
....أجل .. إن صنائع المعروف وبذل الندى ومساعدة المحتاج وسدّ الحاجات، دعائم بها تصلح المجتمعات وتتنزل البركات وتستجلب رضى رب الأرض والسماوات .........لا سيما والناظر عن كثب يقف على حاجات وحاجات، والمسلمون عُرِفَ عنهم أنهم غيوث الكرب، والرفد في الجدب، هم أهل الشيم من حياء وكرم ووفاء ومروءة، هم رواد كل فضيلة وأحق الناس بها وأهلها .....
....نعم .. إن الكرم والإيثار خصلتان لا تجتمعان إلا في عبد موفق أريد به الخير . ........فكن–أخي- سعّاءً إلى كل مكرمة، ناهضاً بكل فضيلة، مقدماً في كل خير، سبّاقاً إلى كل برّ، فرّاراً من غرور للشيطان ووعوده .........كن من أكرم قومك وأوصلهم وأبرّهم، مأوى الأيتام، وملاذ الضعفاء، وقبلة المحتاجين، فهذا والله من إرادة الله سبحانه بك الخير، ودليل على صلاحك، وبرهان فلاحك، وآية صدقك وإخلاصك، وبشرى لك في الدنيا قبل الآخرة، فرحم الله عبداً هذا حاله، وتلكم فعاله ...........فـ || لن تكسب –أعزك الله تعالى- المحامد، وتستوجب الشرف إلا بالحمل على النفس والحال، والنهوض بحمل الأثقال وبذل الجاه والمال، ولو كانت المكارم تنال بغير مؤونة لاشترك فيها السّفّل([3]) والأحرار، وتساهم الوضعاء من ذوي الأخطار .....
....ولكن الله تعالى خصّ الكرماء الذين جعلهم أهلها ، فخفف عليهم حملها، وسوغهم فضلها، وحظرها على السفلى 
لصغر أقدارهم عنها، وبُعد طباعهم منها، ونفورها عنهم، واقشعرارها منهم||||جواهر الأدب|| للهاشمي ص(288) دار الكتب العلمية........فيا أهل الندى والجدا([4]) هذه الحياة ميدانكم، وهذه الخلائق المتكاثرة في حاجة إلى نولكم وعطائكم، والرب سبحانه ناظر إليكم ماذا أنتم فاعلون .........يا أصحاب القلوب الحية : ما أحوجنا إلى كل سجل([5])معطاء، يسدّ الله به حاجات، ويفرج به من قربات . 
....الحاجة ماسّة إلى تخفيف معاناة المساكين، وسدِّ حاجة المعوزين، وفاقة المحتاجين، وجوعة الجائعين، وهمِّ المدينين، وكرب المكروبين .........فمتى جاهد المرء منَّا نفسه، وتخلَّق بهذا الخُلق- أعني : خُلق الجود- قد يُرزَقه؛ إذ من المستقر الثابت أن الأخلاق منها الجبليّة ومنها ما يكتسب([6]) ومصداق ذلك ما قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم([7]): || إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم ومن يتحر الخير يعطه ومن يتق الشر يوقه|| ||صحيح الجامع...|| برقم(2328). ‌ 
........فعوّد نفسك البذل، وحببها في العطاء، وسهّل لها السخاء، وعودها الكرم ترزقه –إن شاء الله تعالى- ويكون من سجاياك الكريمة، وشمائلك النبيلة، نسأل الله من فضله .........يا أيها الرحماء : لقد وصف الله سبحانه عباده المؤمنين عموماً، وصحابة رسوله –صلى الله عليه وسلم-ورضي عنهم-خصوصاً بأنهم ||... رحماء...|| سورة ||الفتح|| الآية (29)ووصفهم تعالى في موضع آخر بأنهم : ||أذلة على المؤمنين ||سورة ||المائدة|| الآية (54) وأمر نبيه – صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- والأمر له ولأمته، بقوله ||واخفض جناحك للمؤمنين||سورة ||الحجر|| الآية (88) فأشارت الآيات وأشادت بالمؤمنين الكُمّل، ووصفتهم بالرأفة بإخوانهم والرحمة بهم، وبكونهم لينين متواضعين متعاطفين متوادين .........ومتى سادت مثل هذه الأخلاق العليا بين أفراد مجتمعنا الإسلامي –العظيم- ساد لسيادتها أفراده، وتحقق فينا المجتمع الرباني القائم بحق الله وحق عباده وحق النفس، وساعتئذ تتنزل البركات .........فلنسعى- رحمكم الله تعالى- لتحقيق هذه الغاية السامية، وتنزيل هذا المقصد العظيم من مقاصد الشريعة في واقعنا .........قوموا على إخوانكم الضعفاء والمحتاجين، خذوا بأيديهم- حسياً ومعنوياً- سدوا حاجات ملحّة، داووا كلوما تنزف، امسحوا دموعا تُسكب، هدئوا روعات، وسكنوا اضطرابات في نفوس إخوانكم . ........فهنيئاً لصانعي المعروف، ويا سعادة من وُفِقَ لأسباب محبة الله الوهاب الغفور .........||فالمعروف لازم لأهله يقودهم ويسوقهم إلى الآخرة، فاجتهدوا في الخير والزيادة، ولا ترضوا بالنقصان …........فالله الله يا أولياء الله، يا أهل المعروف، فكونوا من أهل المعروف، وأعينوا الفقير وأغيثوا الملهوف، فعسى الله أن يغثكم يوم البعث إنه رحيم رؤوف||||بستان الواعظين ورياض السامعين|| للإمام أبي الفرج ابن الجوزي ص (306)....
....أيها المؤمنون عباد الله : وطّنوا أنفسكم على فعل الخير، وبذل المعروف، افتحوا للمحتاجين قلوبكم قبل بيوتكم، وطيبوا لهم نفساً، ولتسعهم منكم ابتسامة، أو كلمة تخفيف وإعانة، ويصحب ذلك كله، كلمات طيبات مباركات تنفعهم في استقامة دينهم، وصلاح دنياهم .........فحري بك أخي أن تنظر في فضل مالك فتبذله([8])– أو بعضه؛ فإنه خير لك تقدمه، وستجده –والله- هناك وافراً موفراً أوفر ما يكون الجزاء، حتى إنك لتدهش لكثرته، وتتعجب من وفرته، فاعمل، فإنه لمثل ذلك يعمل العاملون، ولتعلمنَّ نبأه بعد . 
....وبعد :....
....فيا أيها المحسان ([9]) أحسن أحسن، كما أحسن الله تعالى إليك .........قدّم قدّم، قبل القدوم عليه–سبحانه .........أبذل الندى أبذل، قبل أن يحال بينك وبينه .........بادر بادر، قبل أن تُبادر .........أسرع أسرع ، قبل أن تُفزع وتُصرع .....
....واعلم بأن الله مخلف، وأن الأجر أوفر وأجزل، فإن تصدقت فاعلم أن هذا يتطلب منك حمداً : ....
....حمداً على أن جعل يدك العليا وأغناك عن ذلّ السؤال ومسكنة الحاجة .....
....حمداً على أم وفقك لإخراج الفضل ؛ فلولاه ما أخرجت ولا قدمت ولا تصدقت .....
....حمدا على الإصابة – إن وقعت موقعها- وإلا فالأجر ثابت وافر أوفر ما يكون .....
....حمداً على أن أجرى على لسان المتصدق عليه دعاءً لك، فزادك من الخير خير . ....
وفي بيان الفقر العام، وعظيم حاجة المخلوق إلى خالقه سبحانه قال تعالى : || يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ || سورة ||فاطر|| الآية(15)....
وصلي اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى وإخوانه وآله وصحبه أجمعين
والحمد لله رب العالمين
....
وكتب
الفقير إلى رحمة مولاه
أبو عبد الله
محمد بن عبد الحميد بن محمد حسونة
24/2/1429هـ - 2/3/2008م

لماذا الإسلام والتوحيد

لماذا الإسلام والتوحيدالشيخ حسين العوايشةالإسلام والتوحيد سبيل السعادة في الدارَيْن لمن يبحث عنها، ولا يَعْرف هذا إلا مَن صَدق وأخلَص في إسلامه وتوحيده؛ فإن الله -عزّ وجلّ- خلقَ الخلْقَ ولم يتركهم هَمَلاً... . وهل تتْرُكُ أنت أيها المخلوق مالك وبيتك ومتاعك لِعَبَثِ العابثين؟! فكيف تعتقد هذا بالرب -سبحانه-...؟. والذي خلَق يجب أن يُعبَد، بل أن يُفرَدَ بالعبادة، ولا يُشركَ معه إلهٌ آخر، لا مَلَكٌ مُقرّب، ولا نبيٌ مُرْسَل، ولا وَلِيٌّ صالحٌ، ولا جمادٌ ولا شجَر ولا حجر ... إلخ. ومِن طبيعة الإنسان حبُّ التفرُّد ... وأنت لا ترضى لِـمَن تُوظِّف وتستخدم أن تعطيَه المال ثمّ ينصرفَ إلى خِدمة الآخرين والتفرُّغٍ لشؤونهم. فكيف بمَن خلَقَك وخلَق السماوات والأَرَضين، وكيف بمَن رزَقَك وأنْعَمَ عليك وأفْضَلَ، وقد قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل : 17] ... وكيف يُعبد مَن لا يستطيع خلْق ذُبابة، بل وإنْ يسلبْه الذباب شيئاً لا يستنقذْه منه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوب﴾ [الحج : 73] . فالمادة التي يسلبها الذباب تتحوّل إلى مادة أُخرى، ومهما كانت عَظَمَةُ مَنْ سُلِب منه هذا الشيء، فإنّه لا يستطيع إعادة حقِّه على الصورة الأولى التي كانت. إنّ هذا الخالق العظيم -سبحانه وتعالى- لم يخلقْ الخَلْق عَبَثاً ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون : 115]. وإنّ هذا الربَّ العظيم -سبحانه- له أسماء وصفات يجب التعرُّف عليها ... إنّه سميعٌ بصيرٌ عليمٌ قديرٌ عظيمٌ ... لا يُعجزُه شيءٌ في الأرض ولا في السماء ... إنّ عظَمَةَ الخلْق والمخلوقات دلّتْنا على عظَمَة الخالق -عزّ وجلّ-، ويجب أنْ نعتقدَ أنّ سمْعَ الخالق وبصَرَه وعِلْمه وعَظَمَته كلّ أولئك يفوق سمْعَ وبصرَ وعلمَ وعظَمَة المخلوق ... كما يترتب على هذا، الثوابُ والجزاءُ. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)[الزلزلة]. وقال صلى الله عليه وسلم: «لَتُؤدُنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يُقادَ للشاة الجَلْحَاء من الشاة القرناء» [أخرجه مسلم: 2582] ... أي: يُقتصَّ للشاة التي لا قرن لها من الشاة التي لها قرن. ولا يمكن للقائد العظيم أن يرى جُنْديّه يَعْصيه ويسخر منه ويستهزئ ثمّ يتركه دون حساب أو عقاب؛ فكيف بربّ كل شيءٍ وملِيكِه ؟! فمِن أعظم أسباب العذاب النفسي وعدمِ الراحة، عدمُ توحيد الخالق -سبحانه- ومعصيتُه، فهل أنت تُريح مَنْ عصاك وخالفك؟. ومن هذه الصفات: الكلام، وفيه بيانُ مُراد الخالق العظيم مِنْ خَلْقه وتوضيحُ ما يرضيه وما يُغضبُه. وفي تدبُّر كلامه -سبحانه- سرُّ السعادة في الدارين، وفي الإعراض عنه الشقاء والعذاب. ومن ثمرة الاعتقاد بأسماء الله الحسنى وصفاته العُلا؛ الاستقامة في السرّ والعلن والظاهر والباطن، فاعبد الله كأنّك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنّه يراك... . وقد بَحَثَ الناس عن السعادة في المال والنساء والشهرة والطعام والشراب .. فلم يجدوا بغيتهم -وإنْ كانت هذه الأمور لا يُستغنى عنها بضوابطَ وشروط-؛ وذلك أنّ هؤلاء قد عَصَوا ربّهم فعاقبَهم، لأنّهم لم يهتمّوا بمرضاة ربّهم -عزّ و جلّ-، ولم يبالوا بغذاء قلوبهم وأرواحهم. فغذاء البطون والفروج لا يُغْني عن غذاء القلوب والأرواح. قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. وقال صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الذي يذكرُ ربَّه والذي لا يذكُر ربَّه: مَثَلُ الحيّ والميّت » [أخرجه البخاري: 6407]. وهل هناك وسيلة للتعرّف على شرع الله -عزّ وجلّ-؛ فهو -سبحانه- في السماء وعباده في الأرض؟ نعم؛ لقد أرسَل الله -عزّ وجلّ- الرسل مُبشّرين ومُنذِرين وبيّنوا أوامرَ الله ونواهيَه، ومعهم آياتُ الله -عزّ وجلّ-؛ فالإيمان بهم واجبٌ، وطاعتهم لا بدّ منها، والكفر بهم كُفرٌ بالله، وعصيانهم عصيانٌ لربِّ العالمين -سبحانه-. ولا يجوز للناس أن يُفرِّقوا بين أحدٍ من رُسُله، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ [البقرة: 285]. ومحمد صلى الله عليه وسلم أمَرنا أن نؤمن برُسُل الله -عزّ وجلّ- كُلِّهم، فيجب الإيمان بأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خاتَم النبيّين، وآخر الـمُرسَلين. والكفر به أو بأيّ رسول كُفرٌ بالله -عزّ وجلّ- يُخلِّد صاحبَه في النّار. وقد بيّن الله -سبحانه- في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم الحقوق المفروضة كلَّها؛ وعلى رأسها توحيده -سبحانه- وإفراده بالعبادة والطاعة، والصلاة والصيام، والزكاة والحج والخوف والرجاء والرغبة والرهبة والدعاء ... إلخ. وبيّن الأركان والفرائض والواجبات والسنن والمستحبات، والحلال والحرام، وكذا ما ينبغي أن يكون عليه المرء مِن خُلُقٍ وسلوك؛ وهو القائل صلى الله عليه وسلم: «إنّما بُعثت لأُتمّمَ مكارم الأخلاق» [أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» و«التاريخ الكبير» والحاكم وأحمد وغيرهم، وانظر «الصحيحة» (45)]، وفي الحديث: «إنّ مِن خِيارِكُم أحاسنَـكم أخلاقاً» [أخرجه البخاري: 3559 ، ومسلم: 2321]، والإسلام يصقُل خُلُق الإنسان وسلوكه، فيتأدّب بآداب الإسلام الحنيف؛ فيكون إيجابياً مِعْطاءً، مفتاحَ خيرٍ، مِغلاقَ شرٍّ. كما بيّن الإسلام كيف يتعامل الإنسان مع أخيه الإنسان مهما كان اعتقاده ودينه. وفي الحديث: «تصدّقوا على أهل الأديان» [أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» وابن أبي حاتم في «التفسير» وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (2766)]، فيشرع إعطاء أهل الأديان مِن صدقات النافلة. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قدِم الطُّفَيل وأصحابُه فقالوا: يا رسول الله! إنّ دوساً قد كَفَرت وأَبَت، فادعُ الله عليها، فقيل: هَلَكَت دَوْس، فقال: «اللهم اهدِ دوساً وأْتِ بهم». [أخرجه البخاري: 2937، ومسلم: 2524]. ودين التوحيد دين طمأنينة وسعادة ورحمة ورِفْق ولين؛ فقد حرَّم قتْلَ الآمنين وترويعَهم، فلْيحذر أولئك الذين يسارعون إلى التفجير ونشر الرُّعب؛ فإنّهم يُنفّرون الناس من الدين، ويصدّونهم عن التوحيد والإيمان، مع أنّنا مأمورون بدعوتهم والإشفاق عليهم من نار الدنيا والآخرة؛ ببيان فضائل هذا الدين وخصائصه، وما فيه مِن أسباب الراحة والأمن والنجاة والفوز. وقد قال الله -تعالى- لموسى وأخيه -عليهما السلام-: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) ﴾ [طه]. ويجب أن يكون الإنسان متأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال الله -عزّ وجلّ- فيه: ﴿وماأرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: 107]. فلْتكن رحمةً لكل شيءٍ للإنسان والدواب والبهائم والطيور والشجر والثّمر... . وقد حرّم الله -عزّ وجلّ الظلم على نفسه، وجعلَه بين عباده محرّماً؛ فعن أبي ذرٍ -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله -تبارك وتعالى- أنه قال: « يا عبادي إني حرَّمتُ الظُلْم على نفسي، وجعلتُه بينكم محرّماً فلا تظالموا ...» [أخرجه مسلم: 2577]. وقال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: 55]. فعليك أيها الإنسان أنْ تدعوَ الله -عزّ وجلّ- مُخلِصاً؛ أنْ يهديَكَ طريق الحق وسبيل الرّشاد، فإنْ كنت صادقاً في ذلك هداك الله -عزّ وجلّ- للتي هي أقوم. أسأل الله -عزّ وجلّ- أنْ يجعلَنا من أهل الهدى والسداد، ونعوذ بالله أنْ نكون من أهل البغي والفساد. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 

تأصيل في منهج التلقي ومعرفة الدليل، وأن الدين قائم على البرهان....

بسم الله الرحمن الرحيم                                                                                قال العلامة صالح آل الشيخ -حفظه الله- :
مسائل وأفراد العقيدة ومسائل الفقه العملي لا بد من وجود إشكال في عللها أو في القناعة بها، ولا مجال في ذلك في الإيمان إلا أن يكون على ظهر التسليم والاستسلام ومن المتقرر أنّ الدّين قائم على البرهان، والأمور التي يتعاطاها النّاس ثلاثة:
أمور عاطفية؛ يعني برهانها العاطفة الغرائز، يعرف الجوع، يعرف العطش، يعرف الخوف، يعرف الرحمة بعاطفته وفطرته. 
والنوع الثاني برهان عقلي وهي الأمور التي يتعاطاها بعقله فيقيس ويُعَلِّم ونحو ذلك من الأمور العقلية، وهي التي خدمها المنطق بشكل عام.
والنوع الثالث من البراهين: البراهين الدّينية، والبرهان الدّيني مبني على مقدمة، وهي مقدمة الاستسلام لمصدر التلقي.
ولهذا لا يصحّ أن يُخلط بين هذه البراهين، فالدّين ليس مصدره العقل وليس مصدره العاطفة، وإنما مصدره نوع من البراهين، وذلك لم يتكلم عليه الفلاسفة ولا المناطقة وهو البرهان الديني المنبني على مقدمات دينية بحتة.
وهذه المقدمات الدينية الشرعية -في التصديق بها- مبنية على براهين متنوعة؛ التصديق بوجود الله، استحقاقه للعبادة، التصديق بالرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، التصديق بالرسل الآيات التي أوتيها والبراهين، فيما ذكرنا لك كل هذه براهين.
ويبقى الدليل العام للشريعة في العقيدة وفي الفقه وهو أنه ما كان في كتاب الله جل وعلا أو في سنة الرسول  فهو حق وهو البرهان.
وما قبل هذا البرهان ثَم براهين أُخر لا مجادلة في هذه الملّة -يعني في أتباع الفرق- على صحة هذا البرهان من الكتاب ومن السنة؛ لأن الجميع يُقرّون بهذا البرهان ما جاء في كتاب الله وما جاء في سنة رسول الله  فإنه حق، فإنه هو برهان؛ لكن هل هو البرهان الأول أو هو البرهان الثاني؟ هل يُسلَّط العقل على الكتاب والسنة أم لا يسلط والعقل تبع؟ ونحو ذلك، هو جاء من جهة الخلط ما بين أنواع البراهين الثلاثة التي ذكرتها لك. 
هذه مقدمات بين يدي المسائل؛ مسائل البحث.
العقلانيون خلطوا بين البراهين الثلاثة، فجعلوا البرهان العقلي والبرهان الديني واحد؛ بل جعلوا البرهان العقلي متسلطا على البرهان الديني، لأنَّ العقل به عُرف الشرع به عُرفت صحة الشرع، وهذا ليس بصحيح كما سيأتي في رد هذه المقالة.
فإذا صدَّقت وأيقنت أن الكتاب والسنة هما الحق المطلق؛ لأنّها من عند الله جل وعلا -فالسنة وحي-، فإذن الرجوع في البرهان والدليل سيكون إلى الكتاب والسنة، وإذا كان ثَم شك أو ثَم تردّد فإنّ المرء لا يسلم في دينه؛ لأنّ البراهين كما ذكرنا لك ثلاثة:
 برهان عاطفي. 
 وبرهان عقلي. 
 وبرهان ديني. 
والبرهان العاطفي لا ينضبط -عواطف الناس مختلفة-.
البرهان العقلي لا ينضبط؛ لأنّ القائل حينما قال -وهم العقلانيون من المعتزلة والأشاعرة وجماعات- حينما قالوا: العقل ينبغي أن يُقدّم على الشرع. فالعقل غير منضبط، عقل من؟ هل ثم عقل واحد أُجمع عليه في النظر إلى الأشياء؟ لا، في النظر إلى الكونيات ليس ثَم عقل واحد عند الفلاسفة، اختلفوا في النظر إلى الطبيعيات في الأرض، الذين قدّسوا العقل اختلفوا في مقتضيات ذلك، اتّفقوا على قاعدة: العقل، لكن عقل من؟ هل اجتمعوا؟ لا، ولذلك اختلف أصحاب المدرسة العقلية إلى أنواع شتّى:
فالجهمية من أصحاب المدرسة العقلية.
والمعتزلة من أصحاب المدرسة العقلية.
والأشاعرة أيضا من أصحاب المدرسة العقلية إلى حد ما، ونحو ذلك.
ولكنهم مختلفون في عقولهم وإدراكاتهم. 

إذن فإذا كان البرهان العاطفي غير منضبط، والبرهان العقلي غير منضبط، فإذن البرهان الديني يجب أن يبدأ من المستوى أو يبدأ من المقدمة التي هي ثابتة بيقين، وهذه المقدمة الثابتة بيقين هي الكتاب والسنة؛ لأنَّ الكتاب وحي الله جل وعلا، وآمنا بذلك عن برهان،...

فإذا كان كذلك كان البرهان الذي يصحّ أن يقال إنه يُتفق عليه بلا خلاف هو برهان الكتاب والسنة. 
ولهذا إذا جاء إشكال في الاعتقاد تُرجعه إلى التّسليم لله جل وعلا ولرسوله ، فالكتاب والسنة برهان صحيح، فإذا لم تُدرك العلة فإنّ ذلك ليس معناه أنّه خلل في البرهان إنما هو خلل في التلقي، خلل في إيضاح ذلك البرهان، أو لأنّ البرهان الذي هو الدّليل لم يوضح لنا هذه الأسرار. كذلك في أمور العبادات الصلوات ليش خمس؟ ليش أربع؟ الفجر ثنتين ثلاث، لماذا الحجّ على هذه الصفة؟ لماذا الطهارة على هذه الصفة؟ كل هذه مبنية على مقدمة من التّسليم، وهو التسليم للكتاب والسنة. 
فلهذا هذا البحث الذي ذكره الطحاوي في هذه الجمل يسمّيه بعض المعاصرين تسمية حديثة وهي: وحدة مصدر التلقي، فمصدر التّلقي من أهمّ المسائل التي يجب أن يُبحث فيها فإذا اختلفت أنت وأناس على شيء، فلا بد أن يكون هناك مرجعية في البرهان حتى تنطلقوا منها........

إذن هنا مسائل:
المسألة الأولى: أنَّ الناس في تلقّي الشريعة -الناس؛ يعني هذه الأمة الفرق جميعا- انقسموا إلى أقسام:
القسم الأول: من كان عقليا محضا؛ يعني جعل العقل حكما على الشريعة، وجعل الشريعة تابعة للعقليات.
الثاني: من جعل الشريعة خالية من البرهان العقلي البتة؛ بل الشريعة جميعا عندهم ليس فيها علل ولا تعليل بقسميها العقيدة والشّريعة.
الثالث: من توسّط بين الفئتين، وقال: إنَّ الحكم الشرعي، إنَّ الشّريعة العقيدة الأمور الغيبية وكذلك في العمليات: العقل مفيد فيها، والعقل خادم للشريعة وليس حكما عليها، فنستفيد بالعقل في بيان العلل والأحكام وفهم الشريعة واستخراج الأفكار؛ لأن الله جل وعلا جعل القرآن لقوم يعقلون.
هذه الثلاث مدارس كبيرة:
 المدرسة الأولى يمثلها الجهمية والمعتزلة، والأشاعرة في أصول مباحثهم.
 والمدرسة الثانية يمثلها الظاهرية في الفقه وكذلك في الاعتقاد، ويمثلها الأشاعرة والماتريدية في مسائل الأسباب.
 والثالثة منهج أهل السنة والجماعة.
.................
المسألة الثانية: أنَّ التسليم لله عز وجل ولرسوله  هو تسليم للحق المطلق، والبراهين التي يتعاطاها الناس في العقليات وفي مصدر التلقي هذه البراهين تختلف -كما ذكرت لك تنقسم إلى أقسام ثلاثة-، والتسليم يعني أن البرهان الديني الشرعي يقين، وأنَّ البرهان العقلي ناقض، وأن البرهان العاطفي فطري؛ معنى ذلك أنَّ البرهان الديني يقيني في مقدماته نصل إلى صدق الكتاب والسنة.

البرهان العقلي يعتمد على أشياء:
الأول يعتمد على الحس.
والثاني يعتمد على التجربة.
والثالث يعتمد على تصديق اللاحق بالسابق.
 أما البرهان الأول:الحس وهو برهان عقلي ضروري: فالله جل وعلا جعل للإنسان أعضاء سمع بصر لسان؛ يعني جعل له حواسّا كما قال سبحانه ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[النحل:78]، فهذه الثلاث هي التي يسميها الفلاسفة والمناطقة يسمّونها وسائل تحصيل المعرفة، هذه وسائل ضرورية حسية؛ يعني بعينك حصل لك البرهان، بسمعك حصل لك البرهان، بيدك لمست الشيء حصل لك البرهان، فالمعرفة جاءت من براهين ضرورية مُحَسَّة ليست خارجة عن المحسوس، ولذلك ما يُجادل أحد في أنها تفيد العلم الضروري إلا طائفة لا يُعبأ بها يجادلون في الضروريات. 
ثم بعد ذلك بُنيت المعرفة من الحسيات من طريق المقارنة بين هذه المعلومات التي جاءت بالوسائل الحسية؛ يعني نأتي نقول: هذا طويل، هذا العمود طويل، الآخر ليس في طوله. عرفنا حجم هذا وطوله بالعين، فصار الحجم وصار الطول مدركا محسوسا بأمر ضروري، ثم بعد ذلك يُنسب له الشيء آخر، فإذا رأينا ما هو أقل منه قيل هذا أطول، فيأتي آخر وينازع ويقول القصير أطول من الطويل، لا يُقبل، لماذا؟ لأنه المقارنة ما بين هذا وهذا حَصلت بمقدمات يقينية؛ لأن المقدمات الحسية يقينية، مقدّمة العين أنها حست بهذا أنه أطول من ذاك، لا يمكن أن يأتي يجادل ويقول هذا أطول، القصير أطول من الطويل؛ لأن هذا شيء مدرك بالعين، وهذا ينتج في كل المقدمات الحسّية. 
وانتبه لمسألة المقدمات الحسّية؛ لأنها أقوى البراهين للضروريات، 
تشرب ماء تقول هذا بارد يأتي آخر ويقول –إذا كان بارد جدا- يأتي آخر ويقول: هذا حار يغلي. لا يمكن، لماذا؟ لأن البرهان عليه الحسّ. 
فلان مثلا ملتحي، يأتي آخر، يقول: لا هذا حالق لحيته. هذا لا يمكن أن يكون ثم لأن البرهان حسّي. 
كذلك السمع يقول هذا صوت إنسان، قال آخر: لا هذا صوت مثلا إيش؟ صوت سيّارة مثلا، لا يمكن، هذا يتكلم لهذا؛ لأن البرهان جاء سمعي. 
وهذه تعتمدها هذه النقطة لأنها تفيد في قضية الاستسلام.
هذا البرهان الحسي هو الذي بنى عليه طائفة من الناس الكلام على نظرية المعرفة وتكلّموا فيه. 

 وأما التجربة: فما يدخل تحتها فهي برهان صحيح له؛ لكن ما لا يدخل تحت التجربة، فلا يمكن أن تكون برهاناً صحيحاً له.
فنقول: الله جل وعلا جعل الخلق على قسمين، بل نقول؛ جعل الأشياء –أحسن من الخلق-على قسمين:
قسم لا تدخله الأهواء لتغير حقائقه.
وقسم يدخله الهوى ليغيّره. 
فما لا يدخله الهوى لم تأتِ الشرائع ببيانه، وهو غاص فيه الفلاسفة، وغاص فيه العلماء، وغاص فيه الباحثون، لم تأتِ الشرائع ببيانه؛ لأنه لا يدخله الهوى، واحد زائد واحد يساوي اثنين يساوي ثلاثة يساوي أربعة لم تأتِ به الشرائع؛ لأن هذا خلق الله جل وعلا الأشياء واحد زائد واحد يساوي اثنين، خلق الله جل وعلا الجبل فيه من المكونات كذا وكذا، خلق الله جل وعلا الجاذبية على هذا النحو وقوانين الجاذبية على هذا النحو، لا يمكن لهذه الأشياء أن تدخلها الأهواء، ولهذا لم تتعرّض لها الشرائع، ولم تتعرض لها الديانات، وتُرك إنتاجها والبحث فيها للناس؛ لأن هذه سيصلون إليها بالتجربة، سيخطَّأ المخطئ وسيصوّب المصيب؛ لأنّ الشيء ماثل أمامهم، ليس لهم هوى في أن يجعلوا معامل الجاذبية كذا يزيدون واحد أو ينقصون واحد من عشرة ما لهم، الهوى ما يدخل في هذه المسائل.
أما الأشياء التي يدخلها الهوى فقد جاءت الرسالات لإخراج الإنسان من داعية هواه، فلا تصح التجارب فيما يدخله الهوى، لأن الأهواء غير منضبطة، والحق واحد. قال جل وعلا: ﴿وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾[المؤمنون:71]؛ لأن الأهواء غير منضبطة، والحق واحد لا يخضع لهوى.
تجارب المجربين تصلح إذن فيما يمكن عمل التجارب عليه.... 
هل ثَم سلطان للتجربة عليها؟ لا، الأمور الكونية لا مجال للتجربة عليها ولهذا قال [العلماء العصريين] في الأمور الدنيوية -الغربيين وغيرهم من الحذاق-: إن المرء كلما أوْغل في العلم بالكونيات كلما ازداد معرفة بأن فيها أسرارا لا تدرك. 
ولهذا الأمور الكونية صعب أن تخوض فيها بإدراك تام، تجارب لكن ستبقى تجارب، وإذا كانت ليست مسلّمات، فإذن لا يمكن أن نُخضع لها الحق المطلق.
وأما البرهان المعتمد على أنَّ المتأخر يسلّم للسابق، يأتي يقول. 
أنظر مثلا للمعتزلة، المعتزلة في أصلهم سلَّموا للفلاسفة بصحّة أنواع البرهان العقلي، فإذن ثَم تقليد. 
المتأخرون سلّموا لمن قبلهم. 
الأشاعرة سلّموا للأولين في البرهان.
إذن ثَم تقليد، فقولهم برهان عقلي، وهذا عقل؛ لأن الشرائع مبنية على التقليد، هذا غير صحيح منطقيا؛ لأنه أيضا أهل البرهان العقلي يسلمون لأوائلهم الصحة في البرهان، فيبتدئ من برهان الأشعري، الأشعري مثلا بدأ ووصل إلى شيء، فيبتدئ أصحابه من النقطة التي وصل إليها، وينطلقون منها. 
فإذن قولهم العقليات تُخْلِي من التقليد ومن التسليم ومن الاستسلام وتطلق الحرية، فهذا غير صحيح؛ لأنه ما من أحد إلا ويسلم لمقدمات من سبقه، فإذا كان التسليم لبشر ليس معصوما من الخطأ، فالتسليم لمن هو معصوم من الخطأ من جهة البرهان أولى، فإذا كانت المسألة مسألة تسليم واستسلام، فالتسليم لمن لا يخطئ أولى. 
لهذا تجد أنّ من المتأخرين -حتى في العصر الحاضر من أهل العقليات- تجد أنهم يحيلونك على شيء؛ لكن هذا الشيء بنوه على التقليد، يقولون طبعا هو كذا، طبعا في عُرْفِ من؟ لماذا هذا صار طبعا؟ لأنه شيء غير مشكوك فيه، لماذا صار غير مشكوك فيه؟ 
فإذا كان المرجع على أمور تجريبية أو إلى نظريات فالذي يُحيل الأمور في الاستسلام إلى الدّين أَوْلى فيمن يحيل الأمور في الاستسلام على أصحاب العقليات؛ لأن أصحاب العقليات يقلد بعضهم بعضا، وأصحاب الديانات صحيح نقول صحيح المتأخر يسلم للأول براهينه ولكنه يصل إلى برهان يقيني هو الكتاب والسنة، وأما تقليد العقليات فإذا كانت راجعة إلى أشياء صحيحة فهذا تسليم لاشك فيه ما نجادل فيه؛ لكنهم في كثير من مباحثهم يتابع المتأخر الأول. 
أنظر مثلا إلى قضية ترتيب الأفلاك، الناس قرون بل آلاف، منذ بدأ اليونان الكلام على ترتيب الأرض والشمس والكواكب السبعة في الكون وهم على نحو ما، إلى وقت قريب تغيّر، هذه الأمم آلاف السنين التي مرت من الفلاسفة الفلكيين الإسلاميين والفلكيين اليونان والمدرسة الرومانية إلى آخره، هذه الأمم والمدرسة الهندية في الأمور العلمية والفلك، التتابع في الطب كذلك، كلّ هذه ألم يسلم المتأخر للأول؟ سلّم له، ظهر الآن أن تلك الأشياء جميعا غير صحيحة، لماذا كانت غير صحيحة؟ لأنهم -كما ذكرنا لك- وضعوا تجارُبا؛ لكن التجارُب صارت على أمور خارجة عن حيز التجربة الذي يُنتج نتائج صحيحة.
المقصود من هذا -هذه مسألة عظيمة ما نحب نطيل فيها- هذه المسألة راجعة إلى البرهان الحقّ في أنَّ أقوى البراهين هو البرهان الديني. 
لذلك نقول:
 إذا كان المرجع إلى الحس فلا مجادلة في الحسيات ، وإذا كان المرجع إلى أمور تجريبية فبرهان التجربة منقسم إلى ما يكون ثَم تجربة ناجحة فيه، وما لا تنجح فيه التجربة.
أما برهان متابعة اللاحق للسابق، هذا أيضا لابد يخضع للدراسة لأنه قد يكون الأول مخطئا في برهانه العقلي، كما هي كثير من الأمور العلمية والنظرية، فضلا عن أمور الغيبيات والإلهيات.

المنطق أو العقل منقسم على ثلاثة أقسام:
 شيء حسي. 
 تجربة. 
 فيه أشياء فيها تقليد. 
كيف عرفت أنّ هذا المنطق؟ قال: فلان. فيحيله على من قبله، فإذن تكون المناقشة مع من قبله، إذن تبقى المسألة خاضعة لبحث ورد. 
أما المصدر المتيقّن بمقدماته هو مصدر الكتاب والسنة، وما ذكرتُ لك وبرهان كون الكتاب من عند الله جل وعلا تقدم، برهان وجود الله جل وعلا معروف، برهان النبي؛ برهان النبوة متقدم.
هذا تأصيل مهم في منهج التلقي ومعرفة الدليل والاستسلام له لأنه ما يسوغ أن يقال في علم العقيدة بالخصوص أن يكون غير مبرهن، العقيدة ليست قضايا نظرية! لا، برهانية ، برهانية واضحة مثل هذه اللّمبة التي أمامنا مثل الشمس في رابعة النهار، ما عندنا شك في ذلك؛ لكنها بأنواع البرهان الذي ذكرت.ؤ

تحقيق معنى شهادة أن لا إله إلا الله


بسم الله الرحمن الرحيم
أصل معنى شهادة ألا إله إلا الله: أنه لا يستحق العبادة إلا الله وحده. لأن التأله في لغة العرب هو التعبد، فالإله هو المعبود، و إذا لم يكن يستحق العبادة إلا الله وحده فيكون معنى شهادة ألا إله إلا الله أنه لا معبود بحق إلا الله تعالى. وعلى هذا لا يكون معنى إله مطابقاً لمعنى الرب كما يظنه من لم يفهم حقيقة الفرق بينهما، مما أدى إلى أخطاء شنيعة في معرفة حقيقة التوحيد والشرك.
يقول الزجاجي: ( إله: فعال بمعنى مفعول. كأنه مألوه أي معبود مستحق للعبادة يعبده الخلق ويؤلهونه ) ([1]).
ويقول الجوهري في معنى كلمة (الله): (.. وأصله إلاه على فعال بمعنى مفعول لأنه مألوه أي معبود، كقولنا إمام فعال بمعنى مفعول لأنه مؤتم به) ([2]).
ويقول ابن سيده: ( و الإلاهة و الألوهة والألوهية العبادة) ([3])
و أما الألوهية التي جاءت هذه الكلمة لإثبات استحقاق الله وحده لها فهي من مجموع كلام أهل اللغة أيضاً فزع القلب إلى الله، وسكونه إليه، واتجاهه إليه لشدة محبته له، وافتقاره إليه .
ويجمعهما كون الله هو الغاية والمراد والمقصود مطلقاً.
يقول ابن الأثير: (أصله من أله يأله إذا تحير، يريد: إذا وقع العبد في عظمة الله وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية وصرف وهمه إليها أبغض الناس حتى لا يميل قلبه إلى أحد ) ([4]).
ويقول أبو الهيثم: ( الله: أصله إله … ولا يكون إلها حتى يكون معبوداً، وحتى يكون لعابده خالقاً ورازقاً ومدبراً وعليه مقتدراً … وأصل إله ولاه. فقلبت الواو همزة… ومعنى ولاه أن الخلق إليه يؤلهون في حوائجهم ويفزعون إليه فيما ينوبهم كما يوله طفل إلى أمه) ([5]).
ويقول الإمام ابن القيم: ( اسم الله دال على كونه مألوهاً معبوداً تألهه الخلائق محبة وتعظيماً وخضوعاً وفزعاً إليه في الحوائج والنوائب) ([6]).
وقال الفيروز أبادي في لفظ الجلالة )) أصله إله كفعال بمعنى مألوه وكل ما اتخذ معبودا إله عند متخذه والتأله التنسك والتعبد والتاليه التعبيد)) القاموس المحيط (4/280)
وقال البيضاوي )) الإله في الأصل لكل معبود ثم غلب على المعبود بالحق ... واشتقاقه من أله آلهة وألوهة وألوهية بمعنى عبد)) أنوار التنزيل وأسرار التأويل (1/15)
قال الفخر الرازي عند قوله تعالى: ((وإلهكم إله واحد)) :قوله (إلهكم ) يدل على أن معنى الإله مايصح أن تدخله الإضافة فلو كان معنى الإله القادر لصار المعنى وقادركم قادر واحد ومعلوم أنه ركيك فدل على أن الإله هو المعبود)) التفسر الكبير (4/192) وقد خطا الرازي من فسر الإله بالقادر ونحوه. 
وفسر ابن كثير الإله بالمعبود عند آية سورة ص ((أجعل الآلهة إله واحدا)) التفسير (4/27)
تعريف العبادة:
قال الرازي ((العبادة عبارة عن كل فعل وترك يؤتى به لمجرد أمر الله تعالى بذلك وهذا يدخل فيه جميع أعمال القلوب وجميع أعمال الجوارح)) التفسير (10/99)
وقال ابن حجر العسقلاني ((المراد بالعبادة عمل الطاعات واجتناب المعاصي)) فتح الباري (24/134)
معنى كلمة التوحيد لا إله إلا الله :
فقد قال الخطيب الشربيني عند شرحه لمقدمة كتاب المنهاج (لا إله) أي لا معبود بحق في الوجود إلا الله ) مغني المحتاج(1/13)
وقال السيوطي عند تفسير آية الكرسي (الله لا إله إلا هو)(أي لا معبود بحق في الوجود إلا هو)
وقال البيضاوي عند تفسير آية الكرسي (الله لا إله إلا هو)(مبتدأ وخبر والمعنى أنه المستحق للعبادة لاغيره) أنوار التنزيل (1/257)

فائدة: قال البغوي عند تفسير قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)
اعْبُدُوا } وحدوا. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل ما ورد في القرآن من العبادة فمعناها التوحيد) تفسير البغوي - (1 / 71)

قال الشيخ صالح آل الشيخ في شرح الطحاوية الشريط الثاني:
"[
المسألة الثانية]:
أن قوله (لا إله غيره) مشتمل على كلمة (إله) وكلمة (الإله) هذه اختلف الناس في تفسيره.
-
فالتفسير الأول لها:
أن الإله هو الرب، وهو القادر على الاختراع، أو هو المستغني عما سواه، المفتقر إلى كل ما عداه.
وهذا قول أهل الكلام، في أن الإله هو الرب؛ يعني هو الذي يقدر على الخلق والاختراع والإبداع، وهو الذي يستغني عما سواه وكل شيء يفتقر إله.
كما ذكرنا إليكم مرارا عبارة صاحب السنوسية وعبارة أهل الكلام في ذلك.
وهذا التفسير بكون الإله هو القادر على الاختراع وهو الرب لأهل الكلام، من أجله صار الافتراق العظيم في فهم معنى كلمة التوحيد وتوحيد العبادة وفي فهم الصفات وفي تحديد أول واجب على العباد.
-
التفسير الثاني لها:
نأتي للجملة هذه [.....] (1) وأن الإله، إله ( فعال ) بمعنى مفعول يعني مألوه.
سمي إله لأنه مألوه.
والمألوه مفعول من المصدر وهو الإلهة.
والإلهة مصدر أله يأله إلهة وألوهة إذا عبد مع الحب والذل والرضا.
فإذا صارت كلمة الإله هي المعبود، والإلهة والألوهية هي العبودية إذا كانت مع المحبة والرضا.
فصار معنى الإله إذا هو الذي يعبد مع المحبة والرضا والذل.
وهذا التفسير هو الذي تقتضيه اللغة؛ وذلك لأن كلمة (إله) هذه لها اشتقاقها الراجع إلى المصدر إلهة، الذي جاء في قراءة ابن عباس في سورة الأعراف {ويذرك وإلهتك}[الأعراف:127] يعني ويذرك وعبادتك، وأما مجيؤها في اللغة فهو كقول الشاعر كما ذكرنا لكم مرارا:
لله در الغانيات المده ****** سبحن واسترجعن من تأله
يعني من عبادتي.
فالإله هو المعبود، ولا يصح أن يفسر الإله بمعنى الرب مطلقا.
لأن الخصومة وقعت بين الأنبياء وأقوامهم، بين المرسلين وأقوامهم في العبودية لا في الربوبية.
فالمشركون أثبتوا آلهة وعبدوهم، كما قال - عز وجل - {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا(81)كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا}[مريم:81-82]، وكقوله {أجعل الآلهة إلها واحدا}[ص:5] يعني أجعل المعبودات معبودا واحدا.
وهذا يدلك على أن هذا النفي في قوله (ولا إله غيره) راجع إلى نفي العبادة.
وهذا القول الثاني هو قول أهل السنة وقول أهل اللغة وقول أهل العلم من غير أهل البدع جميعا، وهو المنعقد عليه الإجماع قبل خروج أهل البدع في تفسير معنى الإله.
وهذا هو معنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) يعني لا معبود بحق إلا الله جل جلاله".

وأما تفسير لا إله إلا الله : لا معبود إلا الله فهذا غير صحيح لأنه يتضمن خطأ عقدياً ونحوياً
عقدياً :
لأنه يوهم أنكل معبود عبد في الوجود هو الله وهذه عقيدة الحلولية.
وأيضاً يوهم أنه ليس هناك معبودعبد في الوجود إلا الله ، وهذا باطل فهناك معبودات عبدت في الوجود كالشمسوالقمر والجن والبشر والقبر والوثن...فهذا خلاف الواقع.
نحوياً :
فإن لا النافية للجنس كثيراً ما يحذف خبرهاكما قرره ابن مالك في الألفية ، وقدره العلماء (حق) فيكون معنى لا اله إلاالله
أي لا معبود(حق)إلا اللهوالدليل قوله تعالى(ذلك بأن الله هو الحق وان مايعبدون من دونه هوالباطل)
قال الشيخ صالح آل الشيخ في شرح الطحاوية:
"
كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ما معناها؟
معناها: لا معبود حق إلا الله - عز وجل -.
وكما هو معلوم الخبر في قوله (لا)، خبر (لا) النافية للجنس محذوف (لا إله)، ثم قال (إلا الله).
وحذف الخبر؛ خبر (لا) النافية للجنس شائع كثير في لغة العرب كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر، ولا نوء، ولا غول)(1) فالخبر كله محذوف.
وخبر (لا) النافية للجنس يحذف كثيرا وبشيوع إذا كان معلوما لدى السامع، كما قال ابن مالك في الألفية في البيت المشهور: وشاع في ذا الباب -يعني باب لا النافية للجنس:
وشاع في ذا الباب إسقاط ****** الخبر إذا المراد مع سقوطه ظهر
فإذا ظهر المراد مع السقوط جاز الإسقاط.
وسبب الإسقاط؛ إسقاط كلمة (حق)، (لا إله حق إلا الله) أن المشركين لم ينازعوا في وجود إله مع الله - عز وجل -، وإنما نازعوا في أحقية الله - عز وجل - بالعبادة دون غيره، وأن غيره لا يستحق العبادة.
فالنزاع لما كان في الثاني دون الأول؛ يعني لما كان في الاستحقاق دون الوجود، جاء هذا النفي بحذف الخبر لأن المراد مع سقوطه ظاهر وهو نفي الأحقية.
في (لا إله) صار الخبر راجعا أو صار الخبر تقديره حق كما قال تعالى {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل}[الحج:92]، وفي الآية الأخرى قال - عز وجل - {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل}[لقمان:30]، فلما قال سبحانه {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} قرن بين أحقية الله للعبادة وبطلان عبادة ما سواه، دل على أن المراد في كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) هو نفي استحقاق العبادة لأحد غير الله - عز وجل -.
فإذا صار تقدير الخبر بكلمة (حق) صوابا من جهتين:
-
الجهة الأولى:
أن النزاع بين المشركين وبين الرسل كان في استحقاق العبادة لهذه الآلهة، ولم يكن في وجود الآلهة.
-
الجهة الثانية:
أن الآية بل الآيات دلت على بطلان عبادة غير الله وعلى أحقية الله - عز وجل - بالعبادة دون ما سواه.
إذا تقرر ذلك فكما ذكرت لك الخبر مقدر بكلمة (حق)؛ (لا إله حق).
و(لا) نافية للجنس، فنفت جنس استحقاق الآلهة للعبادة.
نفت جنس المعبودات الحقة، فلا يوجد على الأرض ولا في السماء معبود عبده المشركون حق، ولكن المعبود الحق هو الله - عز وجل - وحده وهو الذي عبده أهل التوحيد.
وتقدير الخبر بـ(حق) كما ذكرنا لك هو المتعين خلافا لما عليه أهل الكلام المذموم، حيث قدروا الخبر بـ(موجود) أو بشبه الجملة بقولهم (في الوجود) (لا إله في الوجود) أو (لا إله موجود).
وهذا منهم ليس من جهة الغلط النحوي، ولكن من جهة عدم فهمهم لمعنى (الإله) لأنهم فهموا من معنى (الإله) الرب، فنفوا وجود رب مع الله - عز وجل -، وجعلوا آية الأنبياء دليلا على ذلك وهي قوله - عز وجل - {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}[الأنبياء:22]، وكقوله في آية الإسراء {قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا}[الإسراء:42]، ففسروا آية الأنبياء وآية الإسراء بالأرباب؛ بالرب، ولكن هي في الآلهة كما هو ظاهر لفظها.
إذا تقرر ذلك فنقول: إن عبادة غير الله - عز وجل - إنما هي بالبغي والظلم والعدوان والتعدي لا بالأحقية
[
المسألة الرابعة]:
في إعراب كلمة التوحيد (لا إله إلا الله).
(
لا) نافية للجنس.
(
إله) هو اسمها مبني على الفتح.
و(لا) النافية للجنس مع اسمها: في محل رفع مبتدأ.
وحق: هو الخبر؛ وحق المحذوف هو خبر، والعامل فيه هو الابتداء أو العامل فيه (لا) النافية للجنس على الاختلاف بين النحويين في العمل.
و(إلا الله)
(
إلا) استثناء؛ أداة استثناء.
(
الله) مرفوع، وهو بدل من الخبر، لا من المبتدأ؛ لأنه لم يدخل في الآلهة حتى يخرج منها؛ لأن المنفي هي الآلهة الباطلة، فلا يدخل فيها -كما يقوله من لم يفهم- حتى يكون بدلا من اسم لا النافية للجنس، بل هو بدل من الخبر.
وكون الخبر مرفوعا والاسم هذا مرفوعا، يبين ذلك أن التابع مع المتبوع في الإعراب والنفي والإثبات واحد.
وهنا تنتبه إلى أن الخبر لما قدر بـ(حق) صار المثبت هو استحقاق الله - عز وجل - للعبادة.
ومعلوم أن الإثبات بعد النفي أعظم دلالة في الإثبات من إثبات مجرد بلا نفي.
ولهذا صار قوله (لا إله إلا الله) وقول (لا إله غير الله) هذا أبلغ في الإثبات من قول: الله إله واحد، لأن هذا قد ينفي التقسيم و لكن لا ينفي استحقاق غيره للعبادة.
ولهذا صار قوله - عز وجل - {لا إله إلا هو الرحمن الرحيم}[البقرة:163]، وقول القائل (لا إله إلا الله) بل قوله تعالى {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون}[الصافات:35] جمعت بين النفي والإثبات، وهذا يسمى الحصر والقصر، ففي الآية حصر وقصر.
وبعض أهل العلم يعبر عنها بالاستثناء المفرغ وهذا ليس بجيد، بل الصواب فيها أن يقال هذا حصر وقصر، فجاءت (لا) نافية وجاءت (إلا) مثبتة ليكون ثم حصر وقصر لاستحقاق العبادة في الله - عز وجل - دون غيره.
وهذا عند علماء المعاني في البلاغة يفيد الحصر والقصر والتخصيص، يعني أنه فيه لا في غيره.
وهذا أعظم دلالة فيما اشتمل عليه النفي والإثبات". الشريط الثاني شرح الطحاوية



([1]) "
اشتقاق أسماء الله الحسنى" للزجاجي (ص/24) .

([2]) "
الصحاح" مادة (أله) (6/2223).

([3]) "
لسان العرب" (1/114).

([4]) "
النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (1/62).

([5]) "
لسان العرب " (13/468).

([6]) "
مدارج السالكين" (1/31).

فضائل التوحيد




إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيّئات أعمالنا، من يهده الله فلامضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلاّ الله وحدهُ لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله.أمّا بعد فإنّ أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمّد صلى الله عليه وسلم، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثةبدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار ، وبعد : 

عباد الله/ اعلموا –رحمكم الله- أن توحيدَ اللهِ، وإفرادَه بالعبادة هو الذي من أجله خلق اللهُ الجِنَّ والإنسَ، كما قال الله تعالى (وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون (56) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57) إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (58)) [الذاريات:56-58] ، كما أن التوحيد هو المقْصَدُ الأسمى الذي من أجله بعث اللهُ جميع الأنبياء والمُرسلين من بَدْءِ الخليقة، إلى رسالة خاتَمِ النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي ذلك يقول الله تعالى(وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)[الأنبياء:25].



أيها المسلمون/ لقد كان التوحيدُ هو الحِصنُ الحصين الذي تحصَّن به جميعُ الأنبياء والمرسلين، كما كان أوَّل شيء وأهمُّ شيء يدعون إليه في تبليغ رسالاتِ الله إلى أقوامهم مع دعوتهم إلى مكارم الأخلاق، وإلى البُعد عن المعاصي المنتشرة فيهم، قال الله تعالى(لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) [الأعراف:59]، وقال سبحانه (وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره) [هود:05]، وقال تعالى (وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره) [هود:61]، وقال تعالى (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره) [هود:84]. وخاطب اللهُ سبحانه رسولَه محمدًا صلى الله عليه وسلم فقال (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت) [الأعراف:158].



أيها المؤمنون/ إنه لأهميةِ التوحيدِ، وبيان أنه أساس الدّين وحصنُه الحصين، شهدَ الله سبحانه به فقال تعالى (شهد4 الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو5 العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم(18)) [آل عمران:18].



كما بيّن الله تعالى في القرآن الكريم أن توحيدَ اللهِ هو من أَجَلِّ النِّعم التي أنعمَ الله بها على عباده، والتي توجب عليهم الشكر، والثناءِ لله تعالى عليها قال سبحانه (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا) [الإسراء:111] والمعنى: عَظِّم شأن ربِّك مهلّلا ومكبّرا، لأن وجود إلهين اثنين سببٌ لخراب العالم ودمارِه، فكان التوحيدُ أجَلَّ النِّعَم على العبادِ حيث يرجعون إلى ربٍّ واحد، ويتوجّهون إلى إله واحد، هو الإله الحق، قال تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون) [الأنبياء: 22]

.

أيها المسلمون/ إن الله تعالى كَمَا أَمَرَ بالتوحيد فإنّه سبحانه نهى عن ضدّه ألا وهو الشّرك، فَحَرَّمه وحذّر منه، وبيّن أنه محبطُ للأعمال فقال سبحانه (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين(65) بل الله فاعبد وكن من الشاكرين(66)) [الزمر:65-66]. فعبادةُ الله وحده لا شريك له هو حق الله على عباده وأعظم واجبٍ عليهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه:«يا معاذ أتدري ما حق الله على العبادِ؟ وما حق العباد على الله؟ فقلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: فإن حقَّ الله على العبادِ أن يعبدوه، ولا يُشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذّب من لا يشرك به شيئا...»[الحديث رواه البخاري، ومسلم]. 

وقد أمر الله تعالى نبيَّه وكلَّ مسلم، بل كلَّ الإنس والجنّ أن يجعلوا العبادة كلّها للهِ وحده فقال سبحانه في كتابه العزيز (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين(162) لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين(163)) [الأنعام:163].



أيها المسلمون/ إنه تعظيما لعقيدة التوحيد فقد قدّمه الله على الاستغفار وسبقه بالعلم فقال تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلّبكم ومثواكم) [محمد: 19]. وهذا كلّه تنبيهٌ على أهمية التوحيد القصوى وتقديمه على كلّ الشعائر، إذ هو الأساسُ الذي تُبنى عليه كل العبادات، وما لا أساسَ له فهو مُنهار، وصاحبُه يناله الخزيُ وعذابُ النار.

إن الإسلامَ يمتاز بوضوح مبادئه، ويُسرِ قواعده، لأنه يقوم على وحدَانيةِ الخالقِ سبحانه، وتتضح سُهولةُ الإسلامِ ويُسرُهُ بسبب التوحيدِ الخالصِ، حيث جاءَ هذا الدّينُ بمحو الشّركِ كاملًا ثم غَرَسَ عقيدة التوحيد الشّاملة الصافيةِ في النّفوس على أَكمل الوجوه.



أيها المسلمون/ إن معنى التوحيد هو: الاستسلامُ لله بالتوحيد، والانقيادُ له بالطّاعة والبراءةُ من الشّركِ وأهلهِ. أن تستسلمَ لله وتُوحّدَه وتنقادَ لطاعته فلا تتمرد عليه ولا تتكبّر عن عبادته، ولكي تكون موَحِّدًا كاملًا، أيها المسلم فيجب عليك أن تحقِّقَ ثلاثة أمور:

الأوّل: أن تؤمن بالله ربًّا وخالقًا ورازقًا ومالكًا ومُدَبِّرًا قال تعالى (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) [الأعراف:54]. 

الثاني: أن تؤمن بأنه لا يستحق العبادةَ إلا الله وحده لا شريك له (وما من إله إلا الله) [آل عمران:62]، والإله معناه: المعبود.

ثالثا: أن تؤمن بأن الله تعالى مُتَّصِفٌ بصفاتٍ عُليا، وله أسماءٌ حسنى لا تُشبه صفات المخلوقين ولا هو يُشبه المخلوقين قال تعالى (ليس كمثله شيء وهو السميع العليم) [الشورى:11]، وقال تعالى (قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا أحد (4 )) [الإخلاص:1-4]. وهذا هو معنى لا إله إلا الله، أي لا معبود بحقٍّ إلا الله. لأن الإله في اللغة العربية هو المعبود، قال تعالى (وما كان ربك نسيا (64)رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا (65))[مريم: 64-65] ومعنى سميا: مساميا ومشابها ومساويا ومماثلا من المخلوقين.

وأعظَم العبادةِ الدعاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«الدّعاء هو العبادة. ثم قرأ قوله تعالى (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) [غافر:60] ». فمن دعا غير اللهِ فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد عَبَدَهُ من دون الله وإن لم يعتقد أنه هذا الغير خلَقَ ودَبَّرَ فإن كفارَ قريش لم يكونوا يُنكِرون وجودَ الله، ولا يُنكرون أن اللهَ هو الخالق والرازق والمدبِّر للكون، كما قال تعالى (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) [الزخرف:87]. وقال تعالى (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (84) سيقولون لله قل أفلا تذكرون (85) قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (86) سيقولون لله قل أفلا تتقون (87) قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون (88) سيقولون لله قل فأنى تسحرون (89)) [المؤمنون:84-89]. إذن ماذا كانوا يُنكرون؟ كانوا يُنكرون أن تكون الألوهية لله وحده قال تعالى (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون(35) وقولون أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون(36) بل جاء بالحق وصدق المرسلين(37)) [الصافات: 35-37]. وقال تعالى في شأنهم أنهم قالوا (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب(5) وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد(6)) [ص: 5-6] ، وقال تعالى (ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار) [الزمر:3].



أيها المسلمون/ أخلصوا لله تعالى بالتوحيد، واحذروا الشرك الذي هو أن يَتَّخِذ العبد من دون الله نِدًّا (أي: شبيها، ومماثلا)، يسوِّيه بربّ العالمين، يُحبّه كحبّ الله ويخشاه كخشية الله، ويدعوه مع الله أو من دون الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو يطيعه في معصية الله قال تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك2 به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما) [النساء:48].

وحافظوا على توحيد الله، فإن ثمار التوحيد كبيرة، وفوائده كثيرة، ومنافِعه جليلةٌ على الفرد والجماعة في الدنيا والآخرة. فمن فضائله:

1-
أنه أكبر دافع للرغبة في الطاعة، فالموحِّد يعمل لله في السِّرِّ والعلن بخلاف المُرائي فلا يعمل إلا إذا كان بحضرة الناس.

2-
أنه سبب للأمن والاهتداء قال تعالى (الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)[الأنعام:82]. 

3-
أنه سبب لمغفرة الذنوب، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«قال الله تعالى: يا ابنَ آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك ما كان منك ولا أبالي. يا ابنَ آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك. يا ابنَ آدم إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشركُ بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة» [رواه الترمذي، وقال حسن صحيح] .

4-
أنه سبب لشفاعة المصلين للميّت المسلم إذا صلى عليه عددٌ من أهل التوحيد، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعتالنبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:«ما من رجُلٍ مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجُلا لا يُشركون بالله شيئا إلا شفّعهم الله فيه» رواه مسلم.

5-
أنه سبب للتمكين في الأرض، والنصر على الأعداء قال تعالى (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون)[النور:55] . وقال تعالى (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ) [آل عمران:151] .

6-
أنه سبب الاتفاق والبعد عن التنازع والشقاق والاختلاف فلا اتحاد ولا وحدة بدون التوحيد، وقد قيل: كلمة التوحيد طريق إلى توحيد الكلمة، قال تعالى (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) [البقرة:137].

7-
أنه سببٌ للقناعة بالقليل، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا كان يأكلُ أكلًا كثيرًا، فأسلم فكان يأكل أكلً قليلًا، فذُكر للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال:«إن المؤمن يأكل في معًى واحد، والكافرَ يأكل في سبعةِ أمعاء» [رواه البخاري في كتاب الاطعمة (5397)].

8-
أنه سبب لشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة فقد قال صلى الله عليه وسلم :«أسعدُ الناسِ بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا مُخلصا من قلبه» [رواه البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه].

9-
أنه سبب لدخول الجنّة على ما كان من العمل، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسولُه، وأن عيسى عبدُ الله ورسولُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، والجنّة حقٌ، والنار حقٌ، أدخله الله الجنّة على ما كان من العمل» [متفق عليه ].

10-
أنه سببٌ لأن يكون الموحِّدُ حرامًا على النار فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«فإن الله حرَّمَ على النار من قال:لا إله إلا الله يبتغي بها وجهَ الله» [متفق عليه] . وفضائل التوحيد كثيرة جدا.

كيف يكون تحقيق التوحيد (أي تخليصه من الشرك الأصغر والأكبر)؟ يكون بثلاثة أمور:

1-
بالعلم (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) [محمد:19] .

2-
الاعتقاد فإذا علمتَ ولم تعتقد واستكبرتَ لم تحقق التوحيد (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب) [ص:5] فإنهم لم يعتقدوا انفرادَ الله بالوحدانية.

3-
الانقياد : (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون(35) وقولون أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون(36)) [الصافات:35-36].



فاتقوا الله أيها المسلمون/وتعلّموا شريعةَ ربكم، وسنّة نبيّكم، وقدّموا الأهمّ فالأهمّ، وأهمُّ علم، وأَجَلُّ معرفة، وأولى علم هو الاهتمام بالتوحيد عقيدةً وقولًا وعملًا، ودعوة في كل زمان ومكان، لأن التوحيد هو أول واجب على الإنسان، وآخر واجب عليه قبل الموت، وهو واجب في كل الحياة وإلى الممات، قال تعالى(فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) [البقرة:132] .

والحمد لله رب العالمين.

كتبه أبو سعيد بلعيد بن أحمد 21 جمادى الأولى 1429 هـ الموافق لـ 27 مــــــــــاي 2008م